الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

بغــداد مدينـة السندباد والشـعراء والصور

بغــداد هي أكبر مدن العراق وهي كبريات مدن الشرق الأوسط وثاني أكبر مدينة عربية بعد القاهرة في مصر ، يسكنها الآن ما يقارب 7-8 مليون نسمة ، أرتبط أسم بغداد بالعباسين بعد سـقوط الخلافة الأموية بعد مخاض دموي عسـير مع الأموييـن على يد أبو العباس السـفاح وأخوه أبو جعفر المنصور ، وأبو جعـفر هوثاني خليفة عباسي وأول من أتخـذ بغـداد عاصمة له بعدما قضى على كل منافسـيه وأعدائه من كل الجهات سواء كانوا أمويين أو عباسين أو علويين وذلك في عام  145 هـ 767 م وكان قد رأى في بغـداد حلمه من حيث أشجار النخيل ونهر دجله الخـالد الذي يقسم المدينة إلى شطرين وهوائـها العذب النقي   فلـذلك جمع كبـير من المهندسـين والحكـماء والشـعراء لتصميم بغـداد واتفقوا على المباشرة ببناء مدينته الحلم على ضفاف نهر دجله كعاصمة للعباسين بين الأعوام ( 145-149 هـ ) 710 م على شكل دائري وكان هذا الشكل الهندسي شئ جديد ومبتكر على الفنـون والعمارة الإسـلامية ، فأن معظم المـدن الإسـلامية آنذاك كانت إما مربعة

 

 

مدينة لاهاي  - دنهاخ

مدينة الحرية والعدل والترع الصغيرة

هي مدينة تقع في غرب  هولندا  ، في مقاطعة هولندا الجنوبية، وهي عاصمتها. وعلى بعد خمسة كيلو متر عن ساحل  بحر الشمال . وتقع المدينة فوق سطح البحر، خلافًا لأكثر المدن الهولندية. وتقع بالقرب من شمال المدينة مدينة سخيفنينجن ، التي يزدهر فيها صيد السمك، بالإضافة إلى كونها أكبر متنزه على شاطئ البحر في هولندا من الروعة والجمال الطبيعي، عدد سكانها 489375 حسب إحصاء 2010ومساحتها تقارب 100 كم2. تعد ثالث أكبر مدينة هولندية بعد أمستردام وروتردام

 

 

 

 

مدينة البصرة

تقع مدينة البصرة على بعد 560 كلم جنوب بغداد ويسكنها حاليا أكثر من ثلاثة ملايين نسمة

جاء في لسان العرب لأبن منظور إن البصرة تطلق في كلام العرب على الحجارة الرخوة التي فيها بياض، ويذهب الى ما يقرب من ذاك البكري في مؤلفه معجم ما أستعجم من أسماء ا لبلاد والمواضع الجزء الأول صفحة 254 فيقول إن المدينة سـميت البصرة لأن أرضها بين العقيق وأعلى المربد حجارة رخوة  ([1])  ولكـن (ياقوت الحموي )  يقول في كتابه معجم البلدان الجزء الخامس ([2]) إنها سميت البصرة لكثرة ما فيها من الحصى وان العرب يسمون الأرض الحصوية (البصرة ) كما إن الاسم الآرامي لمدينة البصرة هو (بصرياتا ) أي الأرض الحصوية ، وفي الحقيقة فان ما ذهب إليه (الحموي) هو الأرجح ، لأن مناطق جنوب غرب البصرة هي مناطق حصوية (وهي المناطق التي بنيت فيها معسكرات الجيوش الإسلامية أول استراحتها في المنطقة ) وقد قامت المؤسسة العامة للمعادن بنصب عشرات معامل الحصى في المنطقة منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي وحتى اليوم وبالمقابل ليس هناك من دليل على وجود الحجارة الرخوة  أو الحجارة الغليظة في التكوين الجيولوجي للمدينة عدا جبل سنام الذي يقع على مقربة من الحدود العراقية الكويتية  ، ويقول السمعاني في الأنساب الى إن هناك مدينة في المغرب تسمى البصرة أيضا ([3]) ومدينة البصرة تقع الى الجنوب الشرقي من العراق وهي تمثل الحدود الدولية للعراق مع كل من الكويت وإيـران  والسـعودية، وتطل بما يقارب 60 كم على ساحل الخليج العربي والذي كان يسمى خليج البصرة

جاء في العهد القديم أن جنة عدن، التي ورد ذكرها في كافة الكتب المقدسة ،هي المنطقة المحددة بالتقاء نهري دجلة والفرات حيث نزل آدم وحواء من الجنة البصرة الحديثة بناها القائد الإسلامي عتبة بن غزوان في عام 636 ميلادية(14 هجرية ) كقاعدة متقدمة للجيوش الإسلامية المتجهة الى الشرق  وهي مدينة زراعية أساسا وقد قدرت أشجار النخيل في البصرة في أوائل القرن الماضي بـ 16 ـ 18 مليون نخلة ويزرع في البصرة الحنطة والشعير والرز والسمسم والماش والذرة كما كان أهالي البصرة يزرعون الفواكه وخاصة العنب والتين والنارنج والليمون والبطيخ  والمخضرات وقدر عدد العاملين في البصرة من الزنج بإعمال إصلاح التربة بأكثر من نصف مليون عامل في عام 255 هجرية ([4]) وفي العصر الحديث ومع اكتشاف النفط ومن ثم ارتفاع أسعاره عالميا أصبحت البصرة إحدى أغنى المدن في العالم وتتمتع البصرة بأهمية بحرية باعتبارها الميناء الوحيد للعراق على الخليج العربي (الذي كان يسمى بخليج البصرة ) هذا وقد أضافت أهـوار البصرة للمدينة موارد أخرى على مستوى الزراعة والثروات السمكية والحيوانية والطيور وعلى مدى الألف سنة السابقة كانت البصرة مركزا ثقافيا وعلميا متقدما  فهي مدرسة اللغة العربية في النحو والصرف وهي الرائدة في مجمل التطور الذي حصل في الشعر العربي وفيها نشأت مدارس الكلام والفلسفة ومنها خرج إخوان الصفا الذين ظهروا في القرن العاشر الميلادي ليبحثوا في طريقة للجمع بين العقائد الإسلامية وليوفقوا بين تلك العقائد والفلسفة([5]) وكان من أشهر رجالاتهم ابو سليمان محمد المقدسي وابو الحسن علي ابن هارون وكانت الحركة تمثل انعطافا إنسانيا في العالم وتمثل أيضا ثورة للفكر الحر اثرت في حركة التاريخ الإسلامي والمعتزلة ، جماعة واصل بن العطاء الذي اعتزل أستاذه الحسن البصري وانشأ حلقة درس خاصة به وكانت الفكرة الأساسية التي يقوم عليها فكر المعتزلة هي ان مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا ولا بالكافر وإنما هو منزلة بين منزلتينوفي النثر العربي كان ابن المقفع  صاحب ( او مترجم ) كليلة ودمنة  الذي لا يزال يتمتع بنفس السحر والحيوية حتى اليوم وكان الجاحظ عمر بن بحر الكناني الليثي الذي ولد في البصرة عام 255 هجرية ومات فيها عن تسعين عاما في حادثة وقوع الكتب عليه وهو الشيخ الكبير.

 لقد ترك لنا الجاحظ تسعة كتب (التي أمكن العثور عليها) هي من أكثر الكتب تأثيرا في الأدب العربي ومن أشهر هذه الكتب كتاب البيان والتبيين وكتاب البخلاء وكتاب المحاسن والأضداد    والحريري الذي ولد في البصرة عام 1054 وتوفي فيها عام 1122 والذي اوجد بما يسمى أدب المقامات الذي يعتبره بعض النقاد أصل القصة في الأدب العربي   وابن الهيثم الذي ولد في البصرة عام 965 ميلادية وتوفي في القاهرة عام 1039 وهو الذي قام بأول تشريح للعين وواضع علم البصريات عن طريق وصفه الدقيق لعملية نقل العين صور المرئيات للدماغ كما قام بوضع أسس البحث المنهجي العلمي فقد سبق الجميع إلى تحديد الأسلوب المنهجي في اي بحث و بين انه يعتمد على الاستقراء ثم القياس ثم التمثيل  والبصرة ايضا مدينة الخليل بن احمد الفراهيدي والذي يعد من اهم علماء زمانه في الامبراطورية الاسلامية ومعلم سيبوية وعدد كبير من علماء اللغة والأدب وقادة الفكر كالكسائي والأصمعي وابن العلاء وهو واضع معجم العين ومؤسس علم العروض وأول من كتب النوتة الموسيقية توفي في البصرة عام 789 ميلادية والفراهيدي من قبيلة عربية كبيرة هي قبيلة الازد وفيها نشأ وتعلم العالم الجليل الحسن البصري ( ولد في المدينة المنورة  وتوفي في البصرة عام 110 للهجرة)  وكان قد تولى القضاء في البصرة بتكليف شخصي من الخليفة عمر بن عبد العزيز ،وفيه قال ابو حيان التوحيدي (( كان البصري من دراري النجوم علما وتقوى وزهدا وورعا وعفة ورقة وفقها ومعرفة وفصاحة ولا أعرف له قريبا أو مدانيا ))

كما كانت مركزا للتجارة العالمية وللحركة المصرفية ولعبت دورا مهما في تجارة الشرق الاوسط عموما فقد كانت حلقة الوصل بين الشرق الاقصى والهند والخليج العربي وبقية دول العالم القديم حينما لم يكن في المنطقة غير ميناء البصرة اما مساهمة البصرة في حركة الترجمة في عصر الخليفة العباسي المأمون فقد تمثلت في قيام الطبيب (ماسر جوية ) بترجمة كتب الأدوية من السريانية الى العربية وقيام (حنين بن إسحاق العبادي ) بترجمة كتب العلوم والفلسفة من اللغة الإغريقية القديمة الى العربية و حنين هذا ولد في البصرة في عام 194 هجرية وتوفي فيها عام 260 هجرية وكان تلميذا للخليل بن احمد الفراهيدي ان تتبع أخبار علماء البصرة ربما يكون حديثا طويلا نظرا لأنهم شغلوا العالم الإسلامي لقرون طويلة وتوزعوا على كافة فروع العلم والأدب والمعرفة وكلن لابد من اختتم هذا الحديث بذكر رابعة العـدوية والمبرد والماوردي

وفي القرن الماضي رفدت البصرة الساحة الأدبية والفكرية في العراق بعدد مهم من الشعراء مثل بدر السياب وسعدي يوسف ومحمود البريكان وأحمد مطر والأدباء مثل محمد خضير (روائي) ومحمود عبد الوهاب (قاص) والمؤرخ حامد البازي والدكتور فيصل السامر لقد ادى كل ذلك الى ان تكون البصرة موقع حراك ثقافي وفكري فاعل فرز على الواقع ردود فعل وتحركات سياسية مختلفة  فقد صدرت في البصرة للفترة بين عامي 1889 و 2009 مايقرب من 300 صحيفة ومجلة توزعت على مختلف مناحي الحياة الفكرية والسياسية .

 

 

بدر شاكر السياب

 

 

ذياب فهد الطائي

[1] لسان العرب ، ابن منظور   الجزء الخامس صفحة 133 (القاهرة 1943 )

[2] معجم البلدان، ياقوت الحموي  الجزء الخامس الصفحة 89 ( دمشق 1960)

[3] الأنساب ، السمعاني الجزء الثاني صفحة 167 (القاهرة 1955 )

[4] الدكتور فيصل السامر ، ثورة الزنج في البصرة صفحة 34

[5] الدكتور جواد كاظم نصر الله ، أهمية البصرة ،  بحث منشور على شبكة البصرة تاريخ الدخول 3-9-2008

الدكتور فيصل السامر ، ثورة الزنج في البصرة ( البصرة 1995)

 

 

بين البصرتين
البصرة المغربية والبصرة العراقية

كاظم فنجان الحمامي

البصرتان : اسم جميل, له وقع خاص في قلوب العرب. لأنه يجمع البصرة مع الكوفة في كلمة واحدة. وتُجمع البصرة أيضا مع الكوفة بـ (العراقين) أو (المصرين). إذ أن كلا من البصرة والكوفة, كانتا تعتبران من أعظم أمصار العالم الإسلامي من دون منازع. .
وسنكتشف هنا, ان للبصرة العراقية شقيقة أخرى, أصغر منها سنا, وتحمل الملامح العربية نفسها. بل انهن فسيلتان متفرعتان من نخلة واحدة. أو حديقتان مزدانتان في بستان واحد وهو الوطن العربي الكبير الممتد من الخليج إلى المحيط

نشأت البصرة الصغرى في رحم المغرب العربي بين عام 796 م (فترة حكم الرشيد), وعام 803 م (فترة حكم إدريس الثاني). وارتبطت بشقيقتها الكبرى بعلاقات وروابط تجارية وقبلية وعقائدية حميمة.
اما البصرة العراقية. فكانت نشأتها في رحم الحضارة السومرية منذ قديم الزمان. لكنها سجلت في وثائق فترة الفتح الإسلامي في العام 635 م . وسميت بهذا الاسم لغلظة تربتها وشدتها. فالبصرة في اللغة هي الأرض الغليظة, التي فيها حجارة صلبة قد تقطع حوافر الدواب. وكانت جذورها القديمة ضاربة في عمق التاريخ. فهي في الآرامية (بصرياتا), وتعني الأرض ذات الحصى. ولهذا الاسم معان أخرى في الكلدانية. فكلمة (بصر) تعني الجزر الضعيف. و(بصريا) تعني القنوات والجداول المائية. و(باصرا) تعني مجموعة أكواخ القصب والبردي. وجميع مدلولات هذه المفردات اللغوية تتوافق وتنسجم تماما مع واقع وظروف البيئة البصرية في الماضي والحاضر .

وللبصرة العراقية أسماء أخرى. فقد كانت تدعى (الخريبة) قبل الفتح الإسلامي. وبعد بنائها سميت باسماء كثيرة, منها : أم العراق, وخزانة العرب, وعين الدنيا, وذات الوشامين, والبصرة العظمى, والبصرة الزاهرة, والفيحاء, وقبة العلم, ومدينة السندباد, وبندقية الشرق. كما تدعى (الرعناء) وذلك لتقلب الجو فيها في اليوم الواحـد

 

اما البصرة المغربية فتدعى (الحمراء), و(البصرة الكتان). وهي متوسطة المساحة. وتحيط بها أسوار عالية, مدعمة بأبراج شبه دائرية. ولها عشرة أبواب. وتقع على طريق سوق الأربعاء بإتجاه (وزان). وتبعد عن مدينة (القصر الكبير) بحوالي 20 كيلومترا نحو الجنوب, وعن المحيط الأطلسي بحوالي 40 كيلومترا. وكانت مركزا لإقامة أمراء الأدارسة. ثم اصبحت عاصمة للدولة الادريسية. وتوسعت حتى امتدت من الريف إلى (غمارة). وتعرضت اسوارها للهجوم والتدمير على يد (أبو الفتوح يوسف زيري) عام 979 م . لكنها انتعشت زراعيا وصناعيا بعد ذلك الهجوم. حتى تحولت إلى مركز تجاري واقتصادي مزدهر في القرن الحادي عشر الميلادي, واشتهرت بزراعة القطن, والصناعة, وإنتاج الكتان. .
ثم أخذت تفقد اهميتها شيئا فشيئا. وتدهورت أحوالها في القرون اللاحقة . ونشب فيها الخراب, وزال أثرها تدريجيا

ومازالت ذاكرة التاريخ تحتفظ بين طياتها بمشاهد رائعة عن تلك العلاقات الحميمة, التي كانت تربط بلاد الرافدين بالمغرب. وربما يقودنا البحث والتنقيب في الصفحات, التي دفنها غبار النسيان, إلى اكتشاف روابط قديمة تعود في تاريخها إلى ما قبل ولادة البصرتين. فقد كان ميناء (أبولوجوس), أي (الأبلة), الواقع على شاطئ نهر دجلة العوراء (شط العرب), يعد من أهم جسور العالم القديم. وحلقة لإلتقاء خطوط التجارة البرية والبحرية القادمة من آسيا وأوربا وأفريقيا. تقابله في المغرب مدينة (الأبلة), التي ينتمي اليها (أبو عبد الله الآبلي )شيخ ابن خلدون. وهذه اشارة أكيدة على عمق الروابط بين المشرق والمغرب
 

ومن المرجح ان تسمية مدينة البصرة المغربية تعود في أصلها إلى جذور تأسيس دولة الأدارسة في المغرب العربي. فقد كانت البصرة العراقية منطلقا لثورة إبراهيم النفس الزكية, الذي خلف أخاه محمد النفس الزكية في ثورته ضد العبّاسيين. ولقي إبراهيم مصرعه في العراق, وتشتت قواته. وفر إخوته (يحيى وإدريس) إلى أنحاء عديدة, وظلّوا يحضّرون للثورة حتى عهد هارون الرشيد. ففر يحيى إلى بلاد الديلم في فارس. وأختار أخوه إدريس الفرار إلى المغرب, ليؤسس دولة الأدارسة في المدينة, التي اطلق عليها اسم البصرة, كونها تمثل البركان, الذي انطلقت منه الشرارة الأولى للثورة. وقد لاقت دعوة إدريس في المغرب تجاوبا سريعا, وواسع النطاق في صفوف قبائل البربر . واستقر حكمه, وأرسى قواعد دولته العلوية الفتية. ونجح في إقامة ملكا وطيدا دعامته العدل, وإنصاف الناس. وهي أول دولة إنفصالية عن كيان الدولة العباسية. .

وكانت للمغرب روابط اقتصادية قوية بالبصرة الفيحاء. فقد لعب ميناء الأبلة دورا تجاريا هاما في القرون الغابرة. وكانت تصل إليه المنتجات من الصين, والهند, وجزر الملايو. وعن طريقه تصل إلى الشام وفارس والجزيرة العربية ومصر. ومن ثم إلى المغرب العربي فأوربا. وتصل إليه البضائع الأوربية, وبضائع المغرب العربي عبر الطريق نفسه. ثم تشحن منه إلى الهند والصين عن طريق البحر. وساهم موقعه الفريد في ظهور مدن وموانئ تجارية شمال افريقيا. وأصبحت التجارة عماد الاقتصاد في ذلك الزمان. وما كان البرتغاليون يعانون منه. هو ان البضائع, التي تصل إليهم تكون غالية الأثمان, لمرورها بإحتكارات عدة. إضافة إلى شحة البضائع الواردة إليهم من المشرق عن طريق المغرب الإسلامي. الأمر الذي دفعهم لإختصار الطريق, والبحث عن مسلك تجاري مباشر, فعبئوا السفن الحربية بالجنود والعتاد, بهدف السيطرة على النشاطات التجارية في حوض الخليج العربي

وربما تركت عمليات التبادل التجاري بين البصرة الفيحاء وبلدان المغرب الإسلامي, في القرن الثالث الهجري, بصماتها على المدينة الأطلسية, التي حملت اسم البصرة. فقد كانت (سجلماسة), عاصمة الصحراء, مركزا للقوافل التجارية بين البصرة العراقية والبصرة المغربية. ويؤكد المؤرخون على إنتشار شبكة الخطوط التجارية البرية والبحرية, في تلك الفترة, بين ميناء الأبلة الخليجي والمغرب الإسلامي. وبالتالي ازدهار عمران المدن المرافق للنمو الإقتصادي.
وتوطّدت مقومات التبادل التجاري آنذاك بين المشرق والمغرب بوحدة العملة. إذ كان التجار يعتمدون العملة الذهبية (وهي الدينار), والعملة الفضية (وهي الدرهم). واعتمدوا إجراءات مالية موحدة في تحرير الوصولات المالية. فأصبح العالم الإسلامي يشكل وحدة إقتصادية وعمرانية.
وهنالك أمثلة أخرى, قريبة العهد, تؤكد على قوة تلك الروابط, وتظهر رغبة الشركات البحرية الأوربية في تفتيتها, من خلال تعطيل خطوط التبادل التجاري بين العراق والمغرب الإسلامي. فقد نجح (فرانك كلارك سترك Frank Clark Strick) عام 1889 في تأسيس شركة (Anglo-Algerian Steamship Co) شمال أفريقيا. ولما اتسعت نشاطاته التجارية. اكتشف أن ميناء البصرة هو المحور الرئيس في التعاملات التجارية بين آسيا واوربا آنذاك. فسارع الى مغادرة المغرب والجزائر, والتوجه مباشرة الى البصرة في العراق ليؤسس في عام 1892 شركة Anglo-Arabian and Steamship Co Ltd التي اصبحت فيما بعد نواة لتأسيس شركة (STRICK LINE) ذات الشهرة الملاحية الواسعة. .


وهناك رأي آخر يقول : ان القبائل العربية اعتادت على الرحيل والإنتقال والهجرة. لأسباب وظروف عديدة. وشهدت الصحراء الفاصلة بين المشرق والمغرب هجرات, وهجرات عكسية.
ولو أمعنا النظر في أسماء القبائل المغربية لوجدنا إنها مطابقة تماما للكثير من القبائل الموجودة في المشرق العربي. بل ان بعض العوائل التي هاجرت من العراق, واستقرت في المغرب مازالت تتفاخر بألقابها المرتبطة بالعراق. مثل : لقب (العراقي), و(البغدادي). وهكذا بالنسبة للعوائل المغربية التي هاجرت إلى المشرق, والتي مازالت تصر على التباهي بلقب (المغربي), و(الإدريسي). .

ومن الملفت للنظر. ان معظم الفرق والمذاهب العقائدية والفقهية, التي تأسست في البصرة, وجدت لها ملاذا ومستقرا وانتشارا في المغرب الإسلامي. فانتقل الخوارج, ومن ثم المعتزلة إلى المغرب الإسلامي. وانتقلت (الاباضية) من البصرة إلى المغرب بواسطة (سلمة بن سعد). وانتقلت (الصفرية) إلى هناك بواسطة (عكرمة مولى ابن عبّاس). فهبت على المغرب رياح الصراعات المذهبية, التي انطلقت من ضفاف شط العرب, واستقر بها النوى هناك. ومازالت اسماء انهار شط العرب الفرعية تحمل بصمات (واصل ابن عطاء الغزّال) في (نهر الواصلية), وبصمات (زياد ابن الأصفر) في (نهر الزيادية).
والعجيب ان تناقض هذه التكتلات المذهبية, والسياسية اسهم في التطور العمراني, والإزدهار الإقتصادي. لأنها كرست اهتماماتها في توفير الأمن للمراكز التجارية. والاستفادة منها في تعزيز قوتها السياسية, وتمويل مشاريعها التوسعية. فتحوّل المغرب الإسلامي من طور العمران البدوي التقليدي إلى مرحلة العمران الحضري المتجدد. ومن المحتمل ان تكون البصرة المغربية من إفرازات تلك التطورات العمرانية. .

وهناك من يرى ان البصريين, الذين شاركوا في طليعة الفتوحات الإسلامية, وكانت لهم مكانة مرموقة بين المجاهدين, هم الذين أطلقوا اسم (البصرة) على تلك المدينة المغربية. وأطلقوا الاسم نفسه على مدينة أخرى في شبه القارة الهندية. تيمنا بمدينتهم التي فارقوها, وشغفوا بعشقها.
ولا عجب في ذلك. فالبصرة تفرض محبتها على أهلها, وعلى الذين استوطنوا فيها, أو تعلموا فيها, أو تعاملوا معها.. وهناك الكثير من اسماء المدن والمواقع العربية الجديدة, التي تتطابق في مسمياتها مع المسميات القديمة,على الرغم من تباعد المسافات بينها. فـ (الجبل الأخضر) في المغرب الإسلامي, يقابله (الجبل الأخضر) على ساحل سلطنة عمان. ومدينة (الفاو) الواقعة على ضفاف شط العرب, تقابلها مدينة (الفاو) وسط صحراء الجزيرة العربية. وتناظرها مدينة (الفاو) القبطية في مصر. ونرى من المفيد الإشارة إلى مدينة (طرابلس) في لبنان, وشقيقتها (طرابلس) في ليبيا.
وفي أمريكا مدن كثيرة تحمل أسماء عربية. نذكر منها : مدينة (بيت لحم) في ولاية بنسلفانيا, ويعود تأسيسها إلى عام 1741. ومدينة (فلسطين) في ولاية إلينوي. ومدينة (لبنان) في ولاية نيوهامشر, ويعود تأسيسها الى عام 1761. ومدينة (القاهرة) في ولاية إلينوي, والتي تأسست عام 1837.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث مدن مختلفة تحمل أسم (الجزائر), وهي موزعة على ولاية مشيغان, وولاية أوهايو, وولاية واشنطن. وتعد مدينة (الإسكندرية) من أهم المدن الأمريكية, التي تحمل أسما عربيا, وتقع في ولاية فرجينيا. .
لذا فإن هذا التشابه في اسماء المدن والمواقع لم يأت عن طريق الصدفة. ولابد أن تكون له أسبابه, ومبرراته. وأحيانا يعزى هذا التشابه إلى نشاطات دينية, أو علمية, أو سياسية, أو تجارية. ولابد أن يكون أحدها أصل الإنتشار. وربما يكون عشق المهاجرين للمدينة, التي نشأوا فيها. هو الذي دفعهم إلى نقل اسمها ومعالمها معهم. وقد اجتمعت هذه الأسباب كلها في البصرة المغربية, فحملت اسم البصرة العراقية, وتميزت به.
ختاما نقول ان وطنا ترسم حدوده البصرة العظمى, قبة العلم, وأم العراق, وخزانة العرب, وعين الدنيا, وتحتضنه من اقصى شرقه إلى أقصى غربه, لجدير أن لا يفرط به أحد.

 

   

ميناء ميسان

أقدم موانئ كوكب عطارد

كاظم فنجان الحمامي

لا أريد أن أخالف الكاتب الجميل (نعيم عبد مهلهل), حينما رسم إحداثيات موقع مدينة ميسان وقال: إنها تقع في الطرف القصي من جنوب شرق كوكب عطارد, فقد استهوتني الفكرة, وسحرني موقع الكوكب الذهبي المتوهج بلهيب أشعة شمس الحرية والانعتاق, وبحثت بين ينابيعه المتدفقة بجداول النور عن موانئ ميسان وأرصفتها الممتدة على ضفاف عاصمتها (خاراكس), ورجالها الذين ركبوا البحار, وسبروا أغوارها, وغاصوا في أعماقها السحيقة.

فوجدت إنهم أول من نصب الفنارات الملاحية على متن جزيرة (خارك), وإنهم اشتقوا اسم هذه الجزيرة من اسم عاصمتهم المينائية (خاراكس Charax), وجعلوها منطلقا لسفنهم ورحلاتهم البحرية البعيدة نحو المجهول. وتواصلت علاقات مملكة ميسان البحرية والتجارية مع الأقاليم المجاورة عبر المسالك الملاحية المفتوحة على البحار الواسعة، فتكاثرت المرافئ والمراسي الطبيعية التي ذكرتها العديد من المصادر التاريخية. وظهر ميناء الأُبلّة (أبولوجوس) في البصرة, وميناء (إيكاروس) في جزيرة فيلكا, وميناء (طريدون) في الجزء الأدنى من الفرات, وكان ميناء (خاراكس) أكثرها شهرة وأوسعها نشاطا, وهو الميناء الذي أشارت إليه حوليات العهد المبكر من حكم أسرة (هان) الصينية, في معرض حديثها عن العلاقات التجارية مع دويلات الشرق الأوسط في المدة التي ترجع إلى بعد 140 ق.م , وهي إشارة واضحة تثبت بما لا يقبل الشك بان أبناء ميسان كانوا أول من وصل إلى تخوم الصين وجنوب شرق آسيا.

http://www14.0zz0.com/2010/01/05/21/692799073.jpg

خارطة نادرة لمركز مملكة ميسان

تتفق  المراجع التاريخية على إن ميسان دويلة عربية نشأت في رحم بطائح العراق في القرن الثاني قبل الميلاد, وتوسعت حتى جنوب بابل في وسط العراق, وبلاد (عيلام) في جزئها الجنوبي, واستفادت من موارد الاهوار الطبيعية في بناء سفنها الحربية والتجارية المزينة بالنقوش والزخارف الميسانية, وتوسعت في نفوذها مستغلة مسطحاتها المائية, لتعزيز دفاعاتها الطبيعية في التصدي لهجمات الفرثيين والساسانيين. ثم تدرجت في سلم القوة وأصبحت دولة كبيرة حكمها ثلاثة وعشرون ملكاً, ويعد هيسباوسين (Hyspaosines) أول أمير ميساني أعتلى عرش المملكة.

http://www4.0zz0.com/2010/01/05/21/156621635.jpg

هيسباوسين أول أمير من أصل عربي يعتلي عرش مملكة ميسان

فقد كانت (خاراكس) عاصمة ميسان السياسية والتجارية, وفيها ميناء كبير على رأس الخليج العربي, وقد زارها الإمبراطور الروماني (تراجان) عام 116م, ورأى السفن التجارية تغادرها نحو السند والهند, واستطاعت مملكة ميسان أن تؤسس لها كيانا مستقلاً ذا علاقات وطيدة مع اليونانيين فكانت تربطهم المصالح التجارية المشتركة, فهيمنت على الملاحة الداخلية في انهار دلتا جنوب العراق, وسيطرت على الملاحة البحرية في حوض الخليج العربي ومقترباته، وتوطدت علاقاتها البحرية التجارية مع (دلمون) البحرين حالياً, و(مجان) عُمان حالياً, ووادي السند, فكانت سيدة البحار في المحيط الهندي من دون منازع, واستطاعت إن تؤمن لها موردا اقتصاديا من خلال التوسع في تجارتها البحرية والنهرية, حتى صارت موانئ (خاراكس) جسراً مائياً وبريا رئيسياً للتبادل التجاري بين بلاد الإفرنج والشرق الأقصى والهند وأفريقيا. وكان تجار تدمر يبحرون منها لمتابعة طريقهم البحري حتى الهند، ونستدل من النصوص التدمرية على اسمين لتاجرين تدمريين كانت لهما مكاتب بحرية في (خاراكس), وهما: (حنين ابن حدودان وبعلي), وكانت لميسان قوة عسكرية كاسحة ساعدتها على إخضاع بابل, والسيطرة على مناطق كثيرة في العراق. غير إنّ الوقائع التاريخية لا تكشف لنا الكثير بشأن التاريخ القديم لموانئ مملكة ميسان.

http://www10.0zz0.com/2010/01/05/23/468118413.jpg

خارطة شاملة للرقعة الجغرافية التي خضعت لسلطة مملكة ميسان

توالى على حكمها ثلاثة وعشرون ملكا عربيا, وهم من عرب الجزيرة العربية, وعندما وصلها الإسكندر الكبير وجدها تابعة إلى حكم أمير عربي, وهذا نص ما ذكره انيسوورث: ((إن كورة (*) ميسان كانت تعود لأمير عربي زمن الإسكندر المقدوني في القرن الرابع ق. م((, وهذا ما أكدت عليه النقود والنقوش والكتابات الميسانية, التي دونتها القوافل التدمرية, والتي أمدتنا بأسماء حكامها وتاريخ حكمهم, وألقابهم, واستقلالهم السياسي, وعلاقاتهم مع الدول المجاورة. وورد في احدث نصين باللغتين الآرامية والإغريقية اسم) مملكة ميسان), التي لعبت دورا بارزا في الأحداث السياسية والاقتصادية في العراق خلال الفترة من منتصف القرن الثاني عشر ق.م إلى القرن الثالث للميلاد, وعثر على النصين منقوشين على فخذي تمثال هرقل البرونزي., الذي عثر علية صدفة عام 1984.

http://www14.0zz0.com/2010/01/05/23/765120056.jpg

إناء  خزفي مزجج من مملكة نيسان القديمة

 وتحدثت عنها المصادر التاريخية بمختلف الألفاظ واللهجات, فهي ميسان (Maisan) في السريانية, وميسان (Mesan) في العبرية, وميسون (Meson) في الفارسية, وميسن (Mesun), وميسان (Meesan) بالاغريقية, وميشن (Maishen) بالآرامية, أي بمعنى المدينة المسورة العائمة على وجه الماء, وذلك بسبب السدود العظيمة التي بنيت حولها, اما في البابلية فكلمة ميسان تعني (ماء القمر), ويقصد بذلك المياه التي تتأثر بتغير أوضاع القمر وارتباطها بظاهرة المد والجزر, وكانت ميسان (كورة) واسعه كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط, وفيها قبر النبي (العزير), والنبي (دانيال), وتتبعها ادارياً (المذار), وقلعة الكرخة (كرخينا (Characene  و(خيابر Hayabir), والبطائح, وكانت الأمثال تضرب بنشاطاتها البحرية والتجارية في العصور القديمة, باعتبارها أكبر المرافئ المتخصصة بتوريد البضائع الهندية والصينية إلى دول الهلال الخصيب, ومنها إلى أوربا, ثم أصبحت مركزاً لسك العملة, حيث عثر فيها على عملة سُكت سنة 79 هـ.

http://www8.0zz0.com/2010/01/05/21/853614394.jpg

http://www9.0zz0.com/2010/01/05/23/195733774.jpg

مجموعة من نقود مملكة ميسان

ختاما نقول أما آن الأوان أن تأخذ دائرة الآثار دورها الميداني في إماطة اللثام عن أسرار هذه المملكة العربية القديمة, التي لا نعلم عن تاريخها إلا النزر اليسير, والتي ما زالت بانتظار من يعيد إليها مجدها الضائع, ويعيد إليها بريقها الآفل بسبب الجهل والإهمال, وعلى الرغم من إن معظم الدراسات التاريخية تعدها من مفاخر التراث البشري, والمفاخر التي تزخر بها حضارات وادي الرافدين, لكنها ما زالت تخبئ بين طيات تربتها أكثر من 375 موقعا اثريا, ومئات الكنوز المطمورة تحت طبقات الأطيان التي حملتها تراكمات الترسبات الغرينية المنجرفة مع التيارات النهرية, وهي تنتظر من يخرجها إلى النور, ويعيد اليها صورتها الحضارية المفقودة, وتنتظر من يحفظها من التلف والزوال بفعل الظروف الطبيعية والبشرية. أو يشملها برعايته, ويوفر لها الحماية من عبث العابثين, وهجمات اللصوص وسراق الآثار, ومن المؤسف حقا أن نرى هذه المواقع الأثرية, التي لا تقدر بثمن بلا حماية وبلا عناية, ولم يكن أغلبها مسيّجا, والقليل منها فقط كان محاطا بأسلاك شائكة ليس من العسير على سارقي الآثار اختراقها. وهؤلاء ليسوا هم الخطر الوحيد على المواقع الأثرية، بل هناك أعمال تعبيد الطرق، ومصانع الطابوق, وأعمال التنقيب عن النفط ومد الأنابيب، ومشاريع الشبكات الكهربائية وغيرها. وكم كنت صائبا يا صديقي عندما كتبت, (إن هذه المدينة أعطت من جسدها ما لم تعطه امرأة من رحمها). فمتى يبادر أصحاب الشأن إلى انتشال ثرواتنا وكنوزنا التاريخية من الضياع قبل فوات الأوان ؟؟.

 

(*) الكورة هي المدينة, فمفردة (كار (Kar باللغة السومرية, أو (Karu) باللغة الاكدية تعني مركز النشاط التجارى المرتبط بالنشاطات الخارجية. وهكذا فان (الكارو) أو (الكورة) لا تطابق موانئ القرون الوسطى المبكرة من حيث الوظيفة فحسب، بل من حيث التسمية أيضا. ووردت الكلمة بصيغة (كريات) في العبرية, وكانت الـ (الكارو أو الكورة) في ما مضى من الزمان مقر إقامة التجار الغرباء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                                                                                                                          
               
 
 

 

 الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع