الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

بوتقة أحمد الناصري الحروفية

جاسم المطير


شهدتُ خلال الشهور الثلاثة الماضية محاولتين في تنمية تجارب الفنان التشكيلي احمد الناصري المقيم في مدينة لاهاي . المحاولة الأولى كانت عند تقديمه محاضرة في قاعة جمعية البيت العراقي لتأمين معرفة تفصيلية واسعة عن فنون ( الحروفية ) للمستمعين وهم من طليعة النخب العراقية المقيمة في هولندا .
أما المحاولة الثانية فقد جرت بعد شهرين من الأولى إذ كانت متصفة بتوازن التواضع مع الجرأة من قبل الفنان الناصري لمماثلة إنتاجه الفني مع أفكار محاضرته بأساسها الفكري ــ الفني القابل للتكامل مع الزمن .
هذه المماثلة لم تكن عادية المضمون والنوعية إذ لم يلجأ الناصري إلى صالة من صالات عرض الفن التشكيلي ، كما هو المعروف والمتوفر في العروض التشكيلية ، بل تطلع إلى تحقيق رؤية جديدة في علاقة الفن والفنان مع النخب متميزا بخصائص عديدة أهمها :
(1) نقل حضور ومشاركة نخب الفن التشكيلي من الكَاليري إلى المشغل مباشرة .
(2) تحويل شقته السكنية إلى مشغل بهدف القضاء على بؤس الوحدة ومللها تحت سطوة العزلة الفنية في مكان بعيد عن السكن .
(3) للحصول على امتياز اللحمة الاجتماعية بينه وبين النخبة العراقية فقد صمم بتأن ٍ عقلاني إقامة معرضه الخاص عن (فن الحروفية) في شقته السكنية .
كان يعتقد أن هذه الخطى الثلاث ملائمة ومتكيفة مع هدف (التنمية) التي يريدها لفن الحروفية ، حيث يزيد قيمتها زيادة قصوى في هذه المرحلة من التطور التشكيلي العراقي . كما كان يأمل من تجديد علاقته مع النخب العراقية داخل مشغله ما يمنحه قيمة مضافة لمجهود الفنانين العراقيين في زمان الغربة ومكانها .
كنت مدعوا لموعد افتتاح المعرض مساء يوم 31 – 1 – 2010 لكنني اعتذرت لعدم توفر مؤهلات صحية عندي كي أصل إلى مشغله المحروم من مصعد كهربائي مما يعني صعوبة الانتقال إلى الطابق الأول عبر سلــّم ليس قصيرا رغم أن الصديق العزيز الفنان الناصري كان يطلب حضوري بإلحاح ، خاصة وانه كان واثقا من تكييف كل الجهود الضرورية لوصولي إلى مشغله على كرسيي المتحرك ، لكنه في الأخير تفاعل مع محنتي الصحية فقبل مني تجاوزا على حضوري متعاقدين على رفقتي له ولضيوفه ولمعرضه من خلال مقالة اكتبها عن هذا النمط من تنمية الفن التشكيلي الذي يتخيله كمنحنى من منحنيات انطلاقة (فن الحروفية) في هذه المرحلة من مراحل تطور الفن العراقي داخل ضجيج المدن العراقية كلها و خصوصا الجنوبية والوسطى حيث تحولت ممارسة الحرية إلى أساليب نشر المفاهيم والعيش الديني.

أول شيء أقوله هنا بصراحة أنني كنت منذ زمن بعيد لا أثق بإمكانية استثمار الحرف العربي استثمارا كبيرا في تنمية الفن التشكيلي ، بمعنى أن كثرة استخدام الحروف في اللوحة المائية أو الزيتية ، لن يضيف أي مورد لجمال بيئة اللوحة .كما أن الإفراط في استثمار الحروف في اللوحة الواحدة أو في جملة لوحات معرض كامل أو في مراحل متعاقبة ومتلاحقة من تطور عمل فنان تشكيلي معين ، كل هذه الأنواع من الاستخدام الحروفي لا تؤدي إلا لاستنفاد المواهب التشكيلية من جهة ، والى اضطراب في جمال اللوحة من جهة ثانية .
إن ضرورة استخدام (بعض) الحروف أحيانا حينما تتحكم في بنى اللوحة، وليس اعتمادا على خطة طويلة الأمد . في حالة وجود ضرورة فنية جزئية يمكن أن تتكيف فيها الحروف مع الحس الجمالي في لحظة معينة من لحظات حركة فرشاة الفنان . مثل هذا التمدن في استخدام الحروف ومثل هذه الرفقة بين الفنان والحروف يمكن أن تتكيف ، بنجاح تام مع اللامركزية في عملية تنفيذ اللوحة الفنية ، برؤية حرة متسعة لا يجد فيها الفنان نفسه يبدد جهده في عملية بحث صعبة عن موازنة صعبة بين أمكنة الحروف في جغرافية اللوحة لتحقيق الارتقاء بها إلى كون جمالي مزهر ليس مقيدا بمقتضيات استهلاك الحروف غير القادرة على تحسين نوعية الحركة في طول اللوحة وعرضها .
من حسن الأمور الفنية المتكيفة مع إنتاجية أنامل الفنان احمد الناصري انه يمتلك استثمارين ، أو انه يمتلك وسيلتين ، فهو فنان تشكيلي قدير الحركة والإبداع والتلوين وتكييف منتجاته التشكيلية مع حركة العصر . من جهة ثانية فأن نفس أنامله تتحكم بموازين الخط العربي وجمالياته . ربما تحت ضغط هاتين الموهبتين ، الرسم والخط ، اقترح على نفسه نظاما من أنظمة ( الفن الحروفي ) وهو اقتراح لا يخلو في رأيي من مضايق تحد من سطوته الفنية الرائعة على اللوحة و تعيق تطور فنونه في الرسم وفي الخط بوقت واحد ، لأنني اعتقد أن ظهور الفنون الحروفية في العالم العربي خلال فترة ستينات القرن الماضي لم تكن تطورا طبيعيا إلزاميا ، بل كان نتيجة محاولات لصوص السياسة القومية في تلك الفترة للاستحواذ على الفن التشكيلي بواسطة ابتداع وسائل وثقافات مصطنعة لفرض تفويض دخول حروف اللغة العربية بفعل ضغط التيار القومي في مصر وسوريا وغيرها ، بما فيها العراق إلى حد ما ، على الفكرة الجماعية في اللوحة الفنية العربية وسيطرة الروح القومية وإيثارها على مبادرات الفن التشكيلي وعلى ارتباطه بالحرية الفردية الليبرالية على المستوى الأوربي . كان لصوص السياسة القومية العربية يحاولون بكل مسعى وجهد لتصنيع الفن سياسيا بمادة استهلاكية تشكيلية جديدة يتحقق فيها ليس تعددية الأساليب والاختيارات بل طغيان الحروفية واستهلاكها المفرط باللوحة الواحدة من خلال حمايتها بالفكر السياسي القومي .

هنا يتوجب عليّ القول أن احمد الناصري فنان تعددي حر يمكنه التوقف عند جزيئات كثيرة في لوحة واحدة من لوحاته الراجحة بالأفضلية كلما عزم على عدم الإفراط باستهلاك الحروف في اللوحة الواحدة . بل أرجو أن يسمح لي بالقول أن الإفراط بالحروف يفكك مفاهيمه الفنية في اللوحة نازعا منها شعلتها المميزة لأنامله المبدعة ليمنحها بعدا قوميا بعيدا تماما عن تفكيره وعن حواسه حيث اعرفها غورا وبالدقة التامة فهو يحترق بالقه الفني في ثمار الفن الحر الذي يتاح في كل لوحاته . انا واثق ان عطاياه الفنية في لوحاته كلها لا تمضي لا نحو البعد القومي ولا نحو البعد الاسلامي .
بعد سقوط التيار القومي في البلدان العربية كلها ، اخذ بعض الفنانين التشكيليين يتعاملون مع الحرف العربي ، ليس باعتباره رمزا قوميا ، بل باعتباره عودة الفن الحديث إلى جذوره الإسلامية ، من خلال مفاجأة الفنان التشكيلي لمشاهدي لوحاته ، عبر تركيزه على الحرف العربي ، أي على حروف القرآن ، لربط تصنيفات الفن العربي المعاصر بالفن الإسلامي وهو منحى معروف باندفاعه في تركيا وفي إيران بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية وفي مصر وسوريا وبلدان إسلامية عديدة ، حيث شهدت ظهورا مرئيا للخط العربي داخل اللوحات الفنية ، كي لا يحتاج الفن العربي الحديث إلى تحليل واف لتأكيد حقيقته العائدة إلى جذوره الإسلامية ، من خلال تركيب الحروف العربية ، تماما مثلما يراد لنا أن نرى ، نموذجا ، في متحف اسطنبول متجسدا في اللوحات الليتوغرافية لبيكاسو إلى جانب لوحة بيير ريفردي
Le Chant des Morts، حيث يولد عندنا ، فورا ، السؤال حول العلاقة بين بيكاسو و ظاهرة الخط في الفن العثماني.
إن إعطاء الفن التشكيلي سمة دينية أو تغليفه بتربة تقدم نوعا ، مهما كان أصما ً ، من أنواع الخدمة المؤدية إلى مباركة الخلفاء العثمانيين أو تلامذتهم من الحكام الحاليين إنما يعني أول ما يعني تعاملا حميما بين الفن التشكيلي والسياسة .
إن فن احمد الناصري لا يحتاج إلى السياسة لتدعيمه ولا إلى الدين لأدلجته فلا يأتي منهما غير النوايا المتشددة والتحزب حيث يفرزان قفرا جماليا يحول دون النهوض الفني ويعثر التنمية الجديدة المأمولة في الفن العراقي المعاصر حيث يرى المشاهد للوحات احمد الناصري انه احد الفنانين العراقيين الحائزين على حجر الفن العراقي المستقبلي ففي مطاف المشاهدين حول لوحاته وأبحاث النقاد ، خلال التعمق فيها ، نجد نوعا من أنواع المراقبة الذاتية على الفن ، المحاطة بنشاطات لونية متحررة ومتجردة ، معبرة عن أنامل نشيطة كأنها أغصان شجرة من أشجار فرات مدينة الناصرية تظلل قدرات إبداع الفنان الشاب احمد الناصري .

بصرة لاهاي في 18 – 3 - 2010