المدينة ذات الوجوه المائة
بقلم : إنتصار الغريب
وراء المدينة حيث تشع العمارات
حيث تدور الميادين …حيث تعج المتاجر
هناك مدينة أخرى
هناك مدينة الأشباح والأصداء
ساكنة تقلب ذكريات رجالها الموتى
وراء مدينة الألوان والأشكال
والضوضاء والحركة
هناك مدينة أخرى
تراقب خطو الغريب .. الذي هو أنت
أول مرة غادرت فيها العراق لا أخفي بأن أوصالي كانت ترتعد في داخلي لأنني سألتقي بشرا غرباء ، إلا أن الرغبة لدي كانت جارفة في أن لا أعود أبدا ، كنت يومها خارجة من محنة الحرب مكتئبة في عالمي وشبه سعيدة مع نفسي، يبدو لي بأنني سأولد من جديد وفي السفينة التي كانت تقلنا للعالم الآخر ، فإن المشهد الوحيد الذي كان يخيفني هو رؤية الشمس وهي تغيب ونحن لم نصل للمرفأ بعد، كان مشهدا موحشا أشبه بنهاية العالم، شاسعا ، وكأن لا حدود له ، كنت خائفة عانيت دوار البحر مرارا ثم غابت الشمس ، تخيلت بأننا لن نصل أبدا أو ربما نغوص في المياه وتبتلعنا مثلما إبتلعت غيرنا من الهاربين ، قلت في نفسي: ليذهب الخوف للجحيم ثم بدأت الأمواج تتقاذفنا تارة لليمين و أخرى لليسار .
حدثت نفسي المتعبة: لا شك بأن أمرنا قد إنتهى مع تلك الحياة العفنة، وبعد مرور لحظات قليلة إنقضت العاصفة وكأن شيئا لم يكن مثل غيره، بعد ذلك أخذت أمارس متعتي مجددا بالنظر للبحر ، كم هو كبير لكنه ليس مثل اليابسة، نظل نتأرجح وكأننا مخلوقات طائرة ، في الماضي كنت أظن بأن الحديث عن البحر مجرد حلم من الأحلام العابرة وليس حقيقة، هذه المرة أنا في الجحيم مجددا لكنه ليس جحيم الحرب ، وقد بلغت حدا من الكآبة لا يوصف ، في عالمي الآني تتراءى لي حيوات أخرى تختلف تمام الإختلاف عن الموت، رأيت بشرا لا تحصى وسرعان ما أصابني الإضطراب ، وهو شيء بغيض بأن يعيش الإنسان مضطربا ، مرتبكا ونحن نقترب من اليابسة وقد بلغت حدا من السعادة العظمى والنشوة لا تضاهيها نشوة ولكننا لم نصل للمرفأ بعد مكتئبة في عالمي ، شبه سعيدة مع نفسي، يبدو لي بأنني سأنخرط في حياة أخرى تختلف تمام الإختلاف عما صادفته بالماضي.
سنواتي الأولى في المنفى لم تكن رائعة ومع ذلك لم أكرهها ، ولم تكن فردوسي الأول على الأرض لكنه الفردوس الذي عززالتفاؤل في نفسي ومكنني من العيش بحرية أكثر، إعترضتني مشاكل لا تعد أو تحصى، عرفت الغربة التي تقلق المضجع وتسبب الآلام وتولد الحنين نحو الوطن، لكن تلك المشاعر والأحاسيس الملتبسة نحو الماضي لم تثير الحزن في نفسي، كانت للغربة خصلات عديدة ورغم ذلك كنت أعشقها ، كنت أستطيع التسكع في الشوارع بكل حرية حريتي ذلك الشيء الثمين الذي وضعته فوق كل إعتبار وحصلت عليه بعد فوات الأوان وظللت أناضل من أجله طيلة حياتي إنها أثمن شيء ولن تستطيع أي حكومة في العالم أن تحرمه مني مهما بلغت من النفوذ والقوة ، لكن الحنين للوطن هو ما يشدني للعودة للوراء. لم أتفوه لمخلوق قط عن سر ذلك الحنين، لكنه ظل أحد المنعرجات الخطيرة في حياتي .
كان الإنسان على إمتداد التاريخ هو الضحية التي تتدنس بأعمال الساسة، سنين عقيمة عشناها في حروب لم تجدي نفعا، على الرغم من القلق الذي يطاردني والغموض الذي يغلف حياتي يؤخذني الصمت طويلا، ويصر على مشاركتي حياتي حتى موعد آخر ، لازلت أبحث عن ذلك الإنسان الذي ينتصر على اليأس والإحساس بالدونية، إنسان يسكن التفاؤل قلبه، لازلت أبحث عن تلك البراءة التي تعود بنا إلى بداية البشرية، حيث البراءة مسكونة ولغة الطبيعة تسود الأمكنة ، حيث لا مستقر للكذب أو الخداع، راحت تمرق في ذهني مقاطع وأفكار مشوشة ، عندما منعت مثل غيري عن الكلام المباح ،إخترت الرحيل ربما عشقا بالحياة وخوفا من المجهول ، إحساس غريب يمزقني كلما رأيت وجوها غريبة لا تفهم لكنتي أو مشاعري الرقيقة وأتذكر الألم أكثر من أي شيء آخر في حياتي ، كنت أتألم من مرض العزلة، ويتواصل إحساسي بالمرارة ، شبع تائهة طيلة الوقت، قلت في نفسي ربما إنها عزلة وهمية وهو شيء مرعب وربما الحنين للماضي الذي يعاني منه الهاربين من معسكرات الموت، فهم يشعرون الجوع رغم الشبع .
اليوم أعيش في عالم عجيب متناغم ، النظام هنا سيد الموقف ، الخطأ لا يغتفر ورغم ذلك كنت أشعر بأنني حاضرة، صحيح كانت بلاد التيوليب فردوسا جديدا من نوع آخر ، لكنني جائعة دوما لإكتشاف الحقيقة ، ظهر لي شيئا مرعبا ، كنت أجهش في البكاء على الرغم من الهدوء الذي يمتاز فيه مظهرهم الخارجي ، كنت أرى البعض منهم يتلصص النظر لي بين الحين والآخر ، في البرد كم أبدو شاحبة أشبه بشحوب الموت، تذكرت أن الفتاة التي تراها على مشارف العشرين تحمل قسمات إمرأة في الأربعين، حاولت الخروب من نظراتهم الفضولية لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل .
واصلت تريضي بالشوارع الضبابية الطويلة محاولة إسترجاع دفء المشاعر الحانية والقلوب الطيبة، صور وحكايات لا يمكن نسيانها، فجأة إستعدت ذكريات مؤلمة، ظلت حبيسة لأعوام طويلة، تتراءى لي سلسلة من الأحداث والتجارب التي عشتها في الماضي، نفوس أثقلتها المتاعب وأنين الجراح التي زرعتها الحروب والدماء التي سفكت بلا رحمة ، لازال طيف تلك الليلة الآذارية من عام 1991 ماثلا أمام عيناي المتعبتين، والشمس تكاد تودع الأفق
كانت ساحة المدينة مقفرة وموحشة في مثل تلك الساعة، خلت من المارة تقريبا، كل ليلة تغوص المدينة في ظلام دامس ومع ذلك لم تغير الحرب من سهراتنا الليلية الحميمية، إعتراني إحساس عميق بالحزن والأسى. كانت عيناي تتطلعان في كل زاوية بالمنزل العتيق ، في تلك الليلة المريرة نسيت الحرب ومصائبها وعاتبت نفسي لأنني لست صانعة معجزات، يأتيني صوت خافت أشبه بصوت طائر فقد طريقه في الظلام الدامس، بعد لحظات سمعت أصواتا مزعجة خارج المنزل، قلت في نفسي: من الذي أفسد علينا ليلتنا ، في تلك الساعة بدأت جدران المنزل تهتز من شدة الطرق العنيف بضعة ألوف مثلنا يعيشون كلهم بمنأى عن الراحة والطمأنينة ، بدأت أدخن سيجارة تلو الأخرى، ممتلئة باليأس والمرارة تتنازعني الوساوس ، شعرت إضطرابا في قلبي أو كأنني طائرا أنتزع من عشه على غفلة، هكذا قالت أمي ونحن لا نزال بعد تحت تأثير الصدمة ، أقصد صدمة الحرب .
قالت لي : ربما عاد خالد وهي لا تنام الليل من شدة البكاء وفي النهار شاردة ، لقد عرفت بأن شقيقي مفقود حرب ولا يمكن أن يعود ، خنقتني العبرات تلو العبرات ثم عانقتني بألم ممزوج بالمرارة، كأنني أردت الخلاص من رزء ثقيل جاثم على صدري ، عندما فتحت لهم الباب وياليتني لم أفتحه لهم ، إنهارت قواي وشعرت بأن الأرض إهتزت تحت قدماي ، أو كأن زلزالا داهمنا فجأة ، لم يكن قد رأيت رجال الأمن من قبل، إندفعوا بقوة إلى داخل المنزل، حفنة من رجال الياقات الخضراء، كعادتهم مسلحين ومتوجسين تتملكهم الريبة ، رغم أننا مخلوقات آمنة، لا تمتلك القدرة على مواجهة الشر.
في مدينة الخوف لا توجد سوى لغة الصمت، كانوا يحاولون التفاوض معنا، فيما إذا كنا نخفي أحد الفارين من الخدمة العسكرية، أو المشاركين بالإنتفاضة الشعبية، كانوا يشككون بصدق حديثنا، بعبارات مملوءة بالإهانة والتحقير، ولكن ما حدث في الأشهر اللاحقة الأولى بعد الحرب كان مخيفا، لا أدري كان الشارع مزدحما بالجنود الجرحى العائدين من جبهات القتال بعد أن أغلق ستار الحرب وتكشفت خيوط اللعبة ويختنق صوت أمي بالبكاء فيغض ريقها ، كانت ترى بأنه شيء بغيض أن نتعرض للقهر والأذى ونحن لم نرتكب ذنبا ، كنت أقول دوما بأن قوى المخيلة التي كانت لعهد طويل مخنوقة ومكبلة سيأتي لها يوم وتثور ومن الممكن أن يظهر نموذج جديد من البشر ، سيختفي الظلم ونعيش حياة آخرى قابلة للهضم ويتلاشى الكابوس مع ظهور اليقظة الشاملة.
يتفرس الغريب بالأشباح الماثلة أمامهم فيرون عجوزا متوسطة القامة صلبة العود، ملتفة بشال أسود ناعم وقد أسفرت عن وجه حفرت فيه التجاعيد أخاديد عميقة، كانت رائعة رقيقة وأريحية، تتحدث بفطرية مثيرة، كنت أتعجب من جرأة أمي وهي تتطلع إلى وجوههم بلا إستغراب أو خوف ، أجابته كل ثقة وإعتداد بالنفس: لا نخفي أحدا يا سيدي .
عاثوا بالمنزل خرابا وقلبوه رأسا على عقب، في تلك الليلة لم نذق طعم النوم، كان المشهد مروعا ومدويا ، أية مخلوق سينهار، مهما كان قويا، ثم إلتقت عيناي بعيونهم الغاضبة وشعرت فيهما بسخرية شديدة وإهانة لا توصف ، في تلك الظروف الحالكة كان جسد أمي ينتفض من الغضب والثورة ثم ينتهي بهم المطاف إلى مغادرة المنزل بدون رجعة ، مع إقتراب الليل رقصت فرحا وعيوني تدمع غير مصدقة بأنهم رحلوا بدون رجعة.
وأنا أستعيد شيئا فشيئا صورة ذلك المشهد المرعب في ذهني ، كأنني أعيش في عالم عجائبي داخل كون مختلف ، أو نعيش في عالم مختلف تشتعل فيه حروب و ثورات، كنت أرى البشر يولدون وحوشا وأبالسة وآخرين يولدون من رحم الخير ، كان ذلك المشهد جزءا من الماضي ولكن تلك الحقبة لا تزال حاضرة وتعشعش في داخلي وتثور في أعماقي، كلما تذكرتها وإن كانت بعض الشخوص قد إختفت عن الوجود ، اليوم أنا أكثر برودة عادية لا أنطوي على أشياء خارقة، أضيع في نهايات ذلك العالم الممتد إمتداد البحر الواسع ، ولا تزال أمامي عوالم كثيرة لم تكتشف بعد .
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع
