الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

من جرف الملح إلى غرب استراليا

 

استراليا - عباس الأزرق


يحمل الكناني همومه الكثيرة والقاسية في مغتربه الذي اختاره القدر ليكون ملاذه المشبع عن الذكريات والأحلام والتمني. كما يحمل الفنان غازي الكناني هموم المسرح وفنون الدراما في حله وترحاله ولن يتخلى عنهما برغم زحف العمر والأمراض والقهر.

الإصرار على العطاء والوجود ديدنه في حياة الغربة، الذكريات هي وحدها التي تدفع به إلى عالم البقاء وعدم الاستسلام لريح الكهولة والمرض.

ولد في بغداد الأزل عام ( 1943 ) وقدم خلال رحلته الممتدة على نحو خمسين عاما ونيف من العطاء في عالم يعد اليوم من أهم البحور الإنسانية والثقافية والإبداعية إلا وهو فن التمثيل والعمل الدرامي.

منذ ان غادر الكناني العراق قبل أكثر من عشر سنوات تحمل مسؤوليته كفنان بمقارعة النظام السابق وكشف المعاناة عن كاهل العراقيين فصور وقدم عبر القنوات الإعلامية المعارضة والصديقة رحلة العراقيين عبر برنامج تلفزيوني بثته القناة الكويتية على شكل حلقات كما قدم عرضا مسرحيا في عمان وساهم في الكتابة في الصحف والمواقع الالكترونية وعزز مكانة الفنان العراقي برفع صوته ضد القمع والإرهاب الذي كانت تمارسه الدولة عبر مؤسساتها ضد الوطن والمواطن.

ومن مستقره الان في ولاية غرب استراليا لم ينقطع عن همومه الفنية ومحاولاته بتأسيس منبر ثقافي عراقي يتواصل من خلاله مع العالم الغربي والتلاقح الثقافي مع التعددية والتنوع فقام بتأسيس (جمعية الصداقة العراقية الاسترالية ) كما قام بتأسيس فرقة ( ناهدة الرماح ) المسرحية..

على حافة السرير الذي يرقد عليه بعد ما أجريت له العملية الجراحية الثانية التي ألمت به وأخرت مشواره في تقديم مسرحيته ( يا أهل هذا الزمان) الذي كتب نصها وأخرجها لصالح فرقة ( ناهدة الرماح المسرحية) الذي أشرف على تأسيسها في استراليا اعتزازا برائدة الفن المسرحي وصاحبة التاريخ المشرف في عالم المسرح العراقي الفنانة (ناهدة الرماح) وفي زياراتي المتكررة للاطمئنان عليه وخلق جو ثان ارتأيت من خلالها إن يحدثني عن ذكرياته ورحلة العمر الطويل وعن أشياء لم يقلها للصحافة أوعن أسئلة جاوب عليها من قبل وأردت إن يكون الحديث بهذا الشكل.

يقول الكناني: اعتليت خشبة المسرح وانأ في عمر الخامسة عشرة بعدما اخذ بيدي (المرحوم محمد الدباس) لأشارك في مسرحية لصالح الشؤون الاجتماعية في نهاية أربعينيات القرن المنصرم وغيرها من المسرحيات التي ساهمت في تكويني ولفت الأنظار إلي حتى أصبحت عضوا في فرقة (شباب الطليعة) التي أسسها الفنان القدير (بدري حسون فريد) وهذه الفرقة قدمت أعمالا كثيرة ومهمة وأبرزها مسرحية. الفجر الثائر. التي أخرجها بدري حسون واشترك في تمثيلها اسامة القيسي وغيره من الفنانين المحترفين آنذاك ومن هذه الفرقة دعيت لأن ألعب احد الادوار في الفيلم السينمائي نبوخذ نصر عام (1951) وهو أول فيلم سينمائي عراقي أنتج ملونا لصالح شركة ( شهرزاد للأفلام الملونة ) كان من اخراج الفنان كامل العزاوي واشترك في تمثيله كل من ( سامي عبد الحميد، كارلو هارتيون، بدري حسون فريد) حتى لايختلط الأمر أنا وفق رأيي بأن أول فيلم عراقي هو ( فتنة وحسن ) من بطولة الفنان المرحوم (غازي التكريتي) وهو من الأفلام الريفية وفي نفس الفترة كانت هناك أفلام مشتركة عراقية تركية وعراقية مصرية..

ويدرج في ذاكرته عن تأسيس فرقة مسرحية تحمل أفكارا يسارية في عقد الخمسينيات من القرن الفائت وأطلق على تسميتها فرقة (الشباب المتحرر) وقدمت مايقارب الـ (12 ) عملا كان من أبرزها مسرحية (معركة بنزرت ) اثر الاعتداء الفرنسي على تونس وكانت من تأليف محمد الصفار وإخراج الفنان المرحوم جاسم العبودي وتمثيل غازي التكريتي وأنا وبعض الفنانين الذين لم استحضر أسماءهم الآن وكانت هذه الفرقة تستمد أفكار عروضها من العمال وتعرض في النقابات العمالية المنتشرة آنذاك إلى إن جاءت ولادة فرقة (المسرح الحر) التي ضمت رواد المسرح العراقي أمثال الكاتب المسرحي ( عادل كاظم والفنان هاني هاني والفنان سامي قفطان وعبد الله حسن ونجاة البياتي وحسن الجنابي ومرسل الزيدي وافراح عباس وغيرهم) وفي كل هذا المخاض التاريخي من عمر المسرح العراقي والظروف السياسية التي كان يعيشها البلد قدمنا أرقى الاعمال مثل مسرحية (الكاع ) تأليف عادل كاظم ومسرحية (البخيل لمولير) وشاركني تمثيلها الفنان سامي قفطان وكانت لصالح منظمة التحرير الفلسطينية حيث خصص ريعها للمنظمة وعلى أثرها التقيت ياسر عرفات وحملني الشكر الكثير للمسرحيين العراقيين كان هذا عام 1961 كل هذا لم تعد هناك بلورة واضحة لهوية المسرح العراقي برغم العروض الرائعة التي قدمت إلى بعد تأسيس فرقة الفن الحديث والمسرح الشعبي وفرقة مسرح اليوم كما توج جهود الفنانين بتأسيس الفرقة القومية للتمثيل بعد ماكان اسمها (دائرة الفنون الجميلة والمسارح الشعبية) التي كان يشرف عليها وزير الثقافة المرحوم شفيق الكمالي، وكلفت من خلالها بادارة الفرقة التي كان مقرها في الاعظمية وقمنا بإعادة مسرحية ( الكاع ) وكذلك تشكيل دائرة السينما والمسرح التي انبثق عنها تأسيس الفرقة القومية مابين عام 69 _ 70وساهمت تقريبا في كل اعمال الفرقة منذ باكورة عملها الأول (المسامير) تأليف صباح عطوان الذي كان اسمه صباح الزيدي وكان مدير الفرقة المرحوم وجيه عبد الغني ..

أعمال خالدة في ذاكرة المسرح العراقي..؟

نعم أنها الفرقة القومية التي أنجبت خيرة الفنانين العراقيين من مخرجين وممثلين وفنيين ووثقت للتاريخ اعمالا خالدة مازالت حية في ضمير الوعي العراقي وهل يغطي الزمن بغباره على روائع المسرحيات التي قدمت ونخص منها رائعة المرحوم ابراهيم جلال مسرحية ( دائرة الفحم البغدادية ) المأخوذة من بريخت وكذلك مسرحية (الطوفان) للكاتب عادل كاظم ومسرحية (نشيد الارض) لبدري حسون فريد و( كان ياما كان) و( الصبي الخشبي) للمرحوم قاسم محمد واعمال لمخرجين مبدعين نمر على ذكر بعضهم الفنان القدير سامي عبد الحميد، فتحي زين العابدين، فخري العقيدي، محسن العزاوي نحصر هذه الأسماء في خانة الماضي البعيد ..

غازي الكناني يحمل ذاكرته ويستحضرها ليزداد ألقا...

هنا في استراليا البعيدة ببعد الأحلام لم يتخل الكناني عن ذاته العراقية الأصيلة ولكنته الجنوبية ولن يتجرد عن ذكر الأسماء من مجايله وصحبه في رحلته التي امتدت عمرا وبرغم تقدم العمر به والأمراض التي أرمت بثقلها عليه مازال يتنفس الأمل والذكرى وعندما ارتشف كوب ماء قال لي أتمنى قبل فوات الأوان أن اشرب ماء ( دهلا )...ويستحضر الفنان الكناني من شحذ همة ذاكرته ويقول: كنا في ذلك الزمن مجاميع نعمل في التلفزيون أيضا، مجموعة الفنان (خليل شوقي ومجموعة الفنان بدري حسون فريد ومجموعتي التي كانت تضم الفنان إبراهيم الهندواي وقدمنا مسلسل (الشبح) من إخراج حمودي الحارثي وتأليفي وكذلك المسلسل الكوميدي الشهير (الكي فجي) وكذلك قدم الفنانون اعمالا أخرى للتلفزيون برغم الإمكانيات البسيطة لكن شكلنا حضوراً جماهيرياً وبمرور الوقت حصلت طفرات في الإنتاج التلفزيوني حتى جاء عمل (جرف الملح) ومسلسل (المتنبي) للمخرج المصري إبراهيم عبد الجليل وكذلك المسلسل العملاق (الكبرياء تليق بالفرسان) للمخرج عباس أرناؤوط الذي اشترك في تمثيله الفنان المرحوم عبد الله غيث وأمينة رزق ولكن أهمية جرف الملح تأتي من عدة عوامل أبرزها إن مضمون الحدث يعاش في كل بيت عراقي خصوصا البيت الجنوبي وعندما أقول الجنوبي لا اقصد البصرة والعمارة والناصرية بل اقصد الجنوب كروح كما انه لامس الامتدادات السكانية الذي جاء بها الجنوب الجغرافي كمدينة الثورة والشعلة وغيرهما من المناطق التي تستوعب ثلاثة أرباع سكنة بغداد والذين كانوا مهووسين في حياة الريف لولا الظروف الصعبة التي أجبرتهم على القدوم إلى بغداد فجاء المسلسل ليلتقي مع مشاعرهم كما كان للإخراج والتمثيل والعوامل الفنية الأخرى أهمية في نجاح العمل ..، ولم نستثن مشاركة الفنان غازي الكناني بالعديد من الأفلام السينمائية مثل (المسألة الكبرى) بمشاركة فنانين عالميين مثل الممثل الانكليزي ( اوليفر ريد) وهو من إخراج محمد شكري جميل وكذلك فيلم القادسية والظامئون و الباحثون وكذلك فيلم (الرأس) لفيصل الياسري والأسوار الذي حصد فيه جائزة أفضل ممثل ..

الحديث عن هذا الفنان العملاق له شجون كثيرة ومن استراليا البلد الذي يستقر فيه قام بتأسيس فرقته المسرحية ( ناهدة الرماح) والذي توجها في كتابة مسرحية (يااهل هذا الزمان ) وقام باخراجها ليطل على العام وبلده من خلالها ولظروفه الصحية تم تأجيل هذا العمل لحين شفائه ..

يجب إن نستذكر فنانا ونمد له أيدينا ونفخر به ونسأل عن إخباره وندعو المعنيين في الشأن الثقافي والفني متابعة اخباره.