الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

 هروب موسيقي من إيران

 

 بقلم : انتصار الغريب

 

يعتبر المخرج  الإيراني بهمان جوبادي (1969) من أجرأ المخرجين في إستخدام ثيمات ممنوعة  وأكثرها إثارة للجدل في إيران،  في فيلمه الأخير المتوج دوليا " لاأحد يعلم عن القطط الفارسية" ، يسلط الضوء على المشهد الموسيقي السفلي في طهران، الموسوم بالمنع والظهور علانية أمام الجمهور خصوصا في صفوف الشباب،  ذلك المشهد  الذي يثور على نفسه ومن الحظر المفروض على المتشبهين بالموسيقى الغربية خصوصا موسيقى البوب الشهيرة، القصة ببساطة تدور حول  مجموعة من الموسيقيين  تقرر البقاء خارج البلاد لأنها لا تجرؤ للعودة لإيران مجددا خوفا من شبح الاعتقال

صور جوبادي فيلمه الأخير في ثمانية عشر يوما فقط بدون الحصول على تراخيص مسبقة،  حيث موسيقى البوب ممنوعة بالأصل في إيران، فكيف الحال بتصوير فيلم يدور حولها، وحيث نصف السكان من الشباب، ومن الصعوبة بمكان الإلتزام بقرار المنع الساري المفعول منذ سنوات طويلة وحتى هذه اللحظة. أيضا حل المخرج ضيفا رئيسيا على مهرجان الأفلام الأخير المقام في دنهاخ " تلك القضية " حيث تم عرض عدد كبير من أفلامه السابقة، في فيلمه الأخير " لا أحد يعلم عن القطط الفارسية" نرى موسيقي بوب يمارس الموسيقى سرا وحين ينتابه الخوف  يقرر الخروج  من السرداب  لأن القلق النفسي يطارده، في حله وترحاله، لذا يقرر الهروب مع رفقائه من الموسيقيين  الحالمين بالشهرة والأضواء بعيدا عن أعين الرقابة ومداهمة الشرطة بين الحين والآخر . الشخصيات الرئيسية بالفيلم موسيقيين شابين،  خرجا حديثا من السجن، فجأة يحاولان الهروب خارج البلاد،  لتحقيق حلمهما بإقامة عروض موسيقية ناجحة في لندن، البلد الأم المطلقة لموسيقى البوب في العالم، النصف الأول من الفيلم يركز على الحدث المؤسف الذي يتعرض له الشابين، تصاحبه سلسلة انفعالات، أما النصف الثاني  فهو وثائقي،  يصور جميع المشاكل والعراقيل التي يتعرض لها الشابين في محاولتهما الحصول على جوازات سفر وتأشيرة غير قانونية.

في النهاية يقدم لنا جوبادي نظرة واسعة للمحيط الذي يعيش فيه الموسيقيين في إيران  ومشهد للبطل وهو يصوب إصبعه نحو رأسه دلالة على المنع ومشهد آخر لمغني بوب معاصر مرتديا نظارة حمراء بإطار أسود وهو يغني بصحبة موسيقية شابة تضع على رأسها وشاحاَ ونظارة كبيرة حول عينيها كي تخفي ملامحها قدر الإمكان .

.يقول جوبادي في مطلع حديث له: لقد التقيت المطربين نيجار وأشكان  أثناء الاستعدادات لفيلمي الأخير،  وأخبراني  بأن في نيتهما الذهاب إلى لندن للأبد، قلت لهما: حسنا، أمهلاني يومين فقط لأعد السيناريو. وهكذا  ببساطة بدأت حكاية الفليم . حدث كل شيء في يومين فقط. بعد العرض الدولي في مهرجان كان لم يجرؤ المغنيين للعودة مجددا لإيران ، خصوصا بعد إطلاق إسطوانتهما الموسيقية " لا تعقد الأمور"  وبذلك وضع  مخرج الفيلم خطا أحمر حول مستقبله السينمائي في إيران. إحتفل جوبادي  بسلسلة نجاحات دولية ،  مثل فيلم  " زمن الخيول الثملة" 2000 وفيلم " نصف قمر" 2006  عادة تتعرض أفلامه للمنع  ولا يحصل على تراخيص لتصوير أفلامه كيفا يشاء،  الفن في إيران شيء مستحيل، إلا إذا  خضع لمقص الرقيب، بعد عودته من كان طار إلى طهران، ثم جرى اعتقاله، وقضى أسبوعا بالزنزانة.

أيضا يعرض الفيلم الأخير الظواهر والإتجاهات الموسيقية في العاصمة طهران التي تنتشر بها موسيقى البوب بالخفاء. بالتالي يكشف النقاب عنهم  إما داخل  سراديب، أو في زريبة حيوانات، كل شيء ذلك حقيقي وليس من وحي الخيال،  أحيانا يتم التصوير بالخلاء بطاقم قليل العدد وكاميرا صغيرة الحجم، وكل تلك الأمور مدعاة للغضب والتوتر، تعرض المخرج أيضا للتنصت من قبل رجال الأمن في أماكن متفرق،  وحاول تبديل مواقع التصوير مرات عديدة أثناء اليوم، أحيانا يتم التصوير في الخارج،  حيث لا مناص من مطاردة رجال الأمن أيضا، أو يتم التصوير  بتراخيص يحصل عليها من أصدقاء المهنة. إلا إذا تم دفع بضعة ألوف من الدولارات كرشوة مبدئية للحصول على الموافقة.

رافق المخرج في مهرجان الأفلام الأخير في دنهاخ أحد الموسيقيين الشباب ويدعى "شيرفن نايافيان"، الذي يلعب بالفيلم دور  مدرس موسيقى يعلم التلاميذ المصابين نفسيا دروسا بالموسيقى،  وقد علم بأن رجال الشرطة في إيران داهموا منزله  وقاموا بمصادرة  جهاز الكمبيوتر وجميع أسطوانات الموسيقى، بالتالي لا يستطيع العودة مجددا إلى وطنه الأم، بالتالي فكل شيء ممنوع مرغوب . 

 

 

الآراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع