الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

 الدايلكتيك الروائي في باء بيروت

 

       بقلم : جاسم المطير

 

 

في اللحظة الأولى التي أمسكت فيها رواية الكاتبة اللبنانية إيمان حميدان،  انتابني شعور بالرضا ، فقد ذكرتني ببلد أحبه،  كما ذكرتني بنيران حرب ظالمة فرضت عليه ببديهية القدر الطائفي،  محفزة إياي لقراءتها بإمعان، محاولاً اكتشاف قيمتها الروائية، خاصة وان قدر عنوانها ( باء مثل بيت .. مثل بيروت) شاء أن يقودني إلى بيروت موطن الجمال والتأملات والحرية والوعي الديمقراطي المشع على العالم العربي.

أقول، أولاً،  أن علاقتي بالأدب اللبناني، علاقة قديمة، هي علاقة تلميذ في مدرسة مليئة بالأساتذة المتمكنين المتمرسين بالمهنة المتنامية وبالثقافة العالية،  وقد تصاعدتْ هذه العلاقة على مر الزمان، السهل والصعب،  الذي مر على الوطن اللبناني الجميل حيث كان بشيرا بالديمقراطية لكل البلدان العربية.  ارتبطتُ،  سياحيا ، مع لبنان، ذات مرة، وحملتُ نفسي إليه في فترة الحرب الأهلية مرات عديدة.  أولها كانت سفرتي سياحية بصحبة الصديق  محمد ثنيان – صاحب مطبعة كبرى في بغداد -   وبسيارته وللبحث في أمور طبع رواياتي ( زقاق الاقنان) التي امتنع عن طبعها بمطبعته في بغداد تحاشيا لمشكل ( السياسة) . حقق هو سياحة هادئة مريحة وما حققتُ هدفي في طباعة الرواية لأن الحرب اللبنانية كانت في بدايتها فكل شارع وسوق ومنتجع كان يغلي بالتوتر والصدمة . المرة الثانية كنت بصحبة الراحل المناضل صالح دكلة، الذي كان ذاهبا إلى بيروت لممارسة مسئولية تثقيفية في إحدى المنظمات الفلسطينية، حيث استقبلنا الصديق قاسم حول بعد وصولنا إلى الفندق من المطار وقد علمنا في لحظة وصولنا  بأن  القوات العسكرية الإسرائيلية كانت قد احتلت جنوب لبنان في اليوم نفسه حين كانت طائرتنا متجهة نحو مطار بيروت وقد انشغلت بمشاكل عديدة بتلك الأيام ساعدني في حلها قاسم حول لكنها ألهتني عن متابعة الواجهة الصعبة في الحرب الأهلية والتعرف على بواباتها وصراعاتها ونواقيسها وحدود آثارها الاجتماعية.  المرة الثالثة كانت  لطباعة كتاب فني كان بصحبتي الصديق الصحفي العراقي رياض عبد الكريم  حين كانت الحرب اللبنانية – اللبنانية قد بلغت مرحلة من العنف الشديد.  قضينا أسبوعين أو أكثر بقليل بين فندق الكونتنتال والمطبعة، حيث كانت الخدمات السياحية سائرة في طريق التقلص التدريجي.  المرة الرابعة كانت سفرتي باتفاق مع المناضل المصري الراحل عبد الهادي مختار رئيس تحرير جريدة حزب التجمع - آنذاك - حيث كانت الخدمات الفندقية متقلصة إذ سكنـّا معا في شقة احد أصدقائه المغادرين إلى لندن. كان الرصاص في تلك الأيام والليالي يلعلع و يحيط بشبابيك غرف الشقة فاضطررنا للبقاء أسبوعين في الصالة الرئيسية نأكل بيضا  في ثلاث وجبات يومية،  مقليا أو مسلوقا،  بسبب توفره في الثلاجة وبسبب وجود بائع البيض قرب باب العمارة من دون أن نذهب بعيدا للتسوق. لم استطع كتابة أي حرف ولا قراءة أي كتاب رغم توفر مكتبة غنية داخل الشقة فقضيت الوقت كله بالإصغاء إلى صوت الراديو، بينما قضى مختار  جل وقته بالكتابة .

الخلاصة التي أريد الإشارة إليها أن جميع سفراتي إلى لبنان خلال أيام الحرب اللبنانية كانت قد زودتني بما علا (سطح) لبنان من أذى وأوجاع مدعمة وموجهة بالرصاص والقذائف دون التغلغل إلى (أعماق) المجتمع وأسلوب أداء الناس في أيامها الصعبة أو عند مواجهة  نتائجها اليومية المباشرة.

أما في هذه الأيام  فقد وجدتُ نفسي راحلا ً  بكل هدوء إلى تصور الواقع الاجتماعي اللبناني لتلك الأيام وما بعدها من نتائج  وجدتها موضوعة  نصب عيني من خلال قوة ٍ فنيةٍ روائيةٍ ومن خلال مخيلةٍ جماليةٍ  واعتبارات تكنيكية ، وليدة عقل نسائي مرتب بحصيلة جمالية لنشاط امرأة لبنانية روائية  حين أمضيت  وقت أسبوعين  بقراءة ممتعة لرواية الكاتبة  (إيمان حميدان) التي حمّلتها عنوانا من عناوين فنية موحية بتقييم يكسب الاحترام رغم انه يحمل وسيلة رمزية (  باء مثل بيت.. مثل بيروت) كأنما أرادت منذ اللحظة الأولى أن تدفع عيني القارئ إلى مزيد من الرياضة الفكرية أو ربما أرادت أن تتخطى روتين العناوين الروائية لتكون على صلة بمقاييس عناوين رمزية في الأدب الكلاسيكي الفرنسي – مثلا . حسناً فعلتْ  حين سعتْ في جدلية غلاف الرواية لوصف النشاط العقلي لأبطالها على وضع الإنسان، داخل الحرب محاطا بالعنف،  لكي يمتلك وعيه متكيفاً مع النتائج المترتبة عن الكثافة السيكولوجية للتأمل في الحضور الإنساني اللاواعي في ساحة الحرب بدءا من النصف الأعلى للغلاف .

على صفحة الغلاف الأول في الطبعة الثانية من الرواية  شاهدتُ أثرا على بقعة ارض كأنه علامة دم متجمد يمكن للقارئ أن يجد فيه استعارة ً ما،  تشير إلى دراما دموية معينة قد يجدها  القارئ في متن رواية تكتبها امرأة من هذا العصر  اللبناني المليء بالعقد السياسية والطائفية وهي عقد مستمرة ليس في العلاقات اللبنانية وحدها بل مستقرة في الحوارية اليومية المحسوسة في واقع السياسة في  لبنان .

ليس سهلا أن احمل ضوء النقد لهذه الرواية المنصرفة بدقة إلى عمق مجتمع عانى من نزوة من نزوات العنف بينما يحمل في صورته وعلاقاته الإنسانية قبل الحرب وبعدها سمات العبقرية والحرية،  ليس سهلا أن  أضيء الجانب الدراماتيكي المتقن في فن كتابة هذه الروائية التي تقف بمستوى عال في متابعة (إشكالية اجتماعية) في مشاهد من حيث المعاناة النسوية، الذاتية والجسدية ، تكشف فيها عن جملة من المعاني المرتبطة بالحرب والعنف والميليشيا  تختزن الكثير من أصول الصنعة الروائية العربية المتقدمة ،ومن المعارف الفنية التكنيكية المتجددة.   تمكنت الكاتبة ، ببراعة ، من تحويل العنف ووقائعه وآثاره من شأن كارثي عام، إلى تفاصيل بيتية وعائلية وسيكولوجية ( آلام كاميليا حين اختطفوا محمد ) و ( ضرب الهرة) والقول: ( لم يعد لي أصدقاء في البلدة .. ماتوا .. تشتتوا .. هاجروا )  وألام تتعلق بالجسد ( محمد يرتبط بامرأة غير زوجته التي تعيش في مكان آخر غير بيروت ) والقول : ( لا أحد يخاف الموت .. لكن الخوف من التشوه الجسدي)  كل هذا نماذج أدت بالكاتبة إلى تحويل التاريخ إلى خلاصة إنسانية ذات أصول عميقة في صناعة رواية متجددة بأصولها وفصولها لا تخلو من نمط الدايلكتيك الروائي عن عالم الرغبات الذاتية التي تربط بين الحلم واليقظة بين السلم والعنف بين الطاقة والشهوة بين القوة والضعف . صاغت إيمان حميدان البنية القصصية في روايتها بصيغة لا تتقاطع بين الحدث وتفسيره بين الحلم والواقع هذه البنية أتاحت المجال لظهور خطاب روائي سهل التفسير على المتلقي ، بجانب علامات اجتماعية كثيرة، على امتداد صفحات الرواية كلها

 

اعتقد أن الكاتبة إيمان حميدان افترضت  في رؤيتها أن (الأحداث العامة) لقضية العنف والحرب قد تغرق الكتابة الروائية بفيض من الأحداث المتتالية لتفقد صفتها الأساسية ولتتحول إلى (ريبورتاج صحفي) عن العنف وعن الحرب،  كما حصل لكثير من الكتاب المصريين والسوفييت والعراقيين حين تناولوا مصائر العنف والحروب بروايات ما أثاروا فيها غير الاهتمام بـ(التوتر العام) وتصويره بعيون محملقة دون الغور في أعماق مصير إنسان الحرب وشعوره ومعاناته وآلامه.   ما وقعت إيمان حميدان بروايتها الصادرة عن دار المسار – بيروت في نفس الواقعة ، بل امتدت بصيرتها منذ البداية من خلال أبطالها ليس في ما تجريه السياسة من عنف، بل في ما يجر العنف ويثيره في أعماق الفرد وفي ما ينتجه عليه من حالات القلق والتوتر والتغيير أيضاً، رغم أنها ولجت عملا روائيا فائق التعقيد ، خاصة وأنها أمتعت نفسها وقرائها بالتحفيز على استنكار العنف بالوسائط  الروائية الاجتماعية – السيكولوجية،  بمحاولة جعل الفرد يدرك ذاته وجسده ( تحت الجسر الحديدي الضخم تعج الطرقات الوسخة بسيارات تعبر في كل الاتجاهات. عربات محملة بالخضار والثياب والأحذية،  تعبر هي الأخرى.   في الجانب الآخر ثمة عربات أخذت آماكن ثابتة لها.  تدوي أصوات الانفجارات.  يرهف الجميع سمعهم لثوان.  إنها بعيدة .  تتابع الحياة دورتها ويعود الناس إلى أعمالهم وأفكارهم.  لكنهم حين تقترب الأصوات يبدؤون بالركض في كل الاتجاهات، ويفرغ الشارع منهم خلال دقائق قليلة.  الشارع يعود لنفسه  صامتا ن مقفرا يعود فارغا إلا من روائحهم ، كأن أنامل ساحر ماهر مرت فوق رؤوسهم وأخفتهم داخل أكمامه.. ص172).

تـُرى هل أرادت الكاتبة أن تخفي أرواح الناس تحت العنف كي تظهر أبدانهم (تعاني) من دون أن (تشارك) في العنف أو أنهم رافضون للحرب والعنف أم أنهم عاشقون إلى منفى ( حين تتجه كاميليا إلى لندن عند نهاية مطاف الرواية بعد انتهاء الحرب) .. تـُرى هل يمكن اعتبار ما رسمته إيمان حميدان تحديا للعنف،  وتحررا من آثار حرب لا تتطابق مع ما تريده رغبات الناس وأرواحهم حين تتعمق صورة الأماكن الصعبة في البيت والفراش والمجتمع التي تصورها ( أماكن) تختلف بين منطقة وأخرى،  لكن وجوه الناس متشابهة أينما يذهب الرجال وأينما تذهب النساء . لا ترفض كاتبة الرواية الكشف عما يعتمل في أعماق أبطال روايتها، لكنها تظل منجذبة نحو مواصلة دايلكتيك روايتها مستفيدة من رؤى وإمكانيات وتناقضات غائرة في نفوس أبطالها، الذين لا يظلون بلا تغيير، بل هناك تغيرات على امتداد فصول الرواية وأحداثها حيث أن  مهانة ترتسم في العيون متشابهة مرئية  أينما يذهب ناس الرواية يرونها واضحة لا يمكن إخفاؤها.  وجوه الناس  تشبه وجوه أولئك الذين يختبئون في الملجأ أو الذين يتحركون بخوف وحذر في الشوارع المحيطة بالبيوت (حين تأتي النساء بالماء والخبز مسرعات يسرقن لحظات قصيرة ويتصارعن مع الموت).  هنا بالفعل نجد الأرواح والأبدان متصارعة، معا،  في المدينة والقرية من اجل تحقيق البقاء على الحياة وسط العنف والميليشيا ، خاصة بالنسبة لنساء الرواية كلهن حيث أرسلت نساء إيمان حميدان رسالة يظهرن فيها إرادة  التحدي والبقاء والتعالي على المعاناة القاسية، روحيا وجسديا ، بسبب الحرب المأساوية.

رواية (باء مثل بيت.. مثل بيروت) لا تخفي التناقضات الاجتماعية ،ولا تشيع الوهم تحت ظل الشعارات،  ولا تظهر الأشياء بمظاهر مثالية، ولا تحول الأمور من سيئة إلى عظيمة، بل كانت تصور الاحتمال الممكن في ظل الحرب، والاعتبار الإنساني الأجدى في ظل العنف، ليظل الإنسان هو الرد الحقيقي في ظل بلد خاضع لسلاح الميليشيا ، متأرجحا بين العادات الاجتماعية الحسنة والسيئة، كي يغدو إنسانا لا يهاب الخوف.  هذه الرواية قدمت لقارئها خلاصة فترة صعبة مريرة ما اجتازها الفرد اللبناني، بعدُ،  لكن كاتبتها من خلال أبطال روايتها ، خاصة النساء،  استطاعت الإمساك بالبذرة الرئيسية التي أراد ( العنف) بأنواعه البشعة، المتعددة،  أن ينبتها بتربة المجتمع لتخريب دور الدولة،  لتخريب علاقة الناس بالدولة،  لتوتير علاقة الإنسان بالمجتمع، لإرجاع المرأة إلى عصور قديمة، غير أن أملا كبيرا شع في نهاية الرواية بجرأة نسائية معاصرة حيث كاميليا حامل  سيكون طفلها القادم هو مكان تسكنه ويسكنها،    فقد أطلت الشمس على حديقة المبنى اللبناني حيث تشتغل دواليب الآليات حفرا عميقة في الأرض الترابية ، وصار الناس يعبرون الشارع ، يمشون بتثاقل كأنهم استيقظوا للتو من زمن طويل،  ناموا خلاله ، بعد أن أتت الحرب وحملت معها كل شيء.   حين رحلت كما يحمل الناس أمتعتهم،  يتركون منازلهم وينزلون صورهم من على الجدران المتسخة،  ينزلون صورهم لكن آثار أمكنتها المتروكة تذكر دائما بغيابها.

الغياب سكن أرواحا خوت لكن الشمس تظل مرتفعة في سماء بيروت

 

هكذا يكون الفن الروائي مبتعدا عن تيارات ومدارس العلوم السياسية وشعاراتها . كان قلم إيمان حميدان غير بعيد عن القانون الموضوعي في علاقة الفرد بالمجتمع، وفي مدى تأثير المجتمع العنيف على الفرد المسالم ،  وقد نجحت الكاتبة  نجاحا باهرا في الدخول إلى تاريخ صعب في عالم لبناني متكهرب،  تسوده الفوضى والمصادفات،  لكشف رغبات وإرادة وغرائز الإنسان في زمن العنف والنكبات فصار قلمها العميق  قادرا ليس فقط على تقديم قيم إنسانية وقيم ثقافية حسب،  بل أنها قدمت بواسطته ، لقرائها،  مسلة روائية بمستوى العالمية غارت عميقا في السياسة والمجتمع والإنسان بأسلوب شعري رفع شان الدايلكتيك الدرامي – الروائي في صياغة عملها الخاص وفنها الخاص ورؤيتها الخاصة كاشفة عن حساسيات الحروب تجاه قضايا العدالة والزيف والخداع والموت والحياة وقد استطاعت الكاتبة أن تولد في عقل القارئ العديد من الأسئلة ، الإنسانية والفلسفية،  المتعلقة بحالات التفاعل  بين (العنف) و(العقل) ، بين (الصدمات) و(التجارب)،  بين (الأمر المحتوم)  و(استعادة العافية)،   بين هذا وذاك أوجدت فاصلا من التقاليد الاجتماعية الضاغطة ومن علاقات الثقة والدلالة في الحياة المعاصرة،  حيث كانت داينميكية الدايلكتيك الروائي قد تعاملت تعاملا فعالا واثقا في نهاية الرواية بجدلية (كاميليا) مع نفسها من اجل السيطرة على  واقعها وعلى وجود طفل بلا أب في رحمها

ملاحظة:  أنهيتُ كتابة  هذه الكلمات بسماع نبأ من التلفزيون اللبناني هذا اليوم ( 11- 8 – 2011 ) عن عنف جديد بتفجير عبوة ناسفة في تمام منتصف النهار،  في ساحة من ساحات انطلياس شرق بيروت،  مما يعني أن السلسلة المتشابكة في العلاقة بين العنف والظواهر الاجتماعية اللبنانية ما زالت قائمة حتى بعد إدانتها ،روائيا،  بوقائعها الجزئية الصغيرة.  أدانتها جذريا رواية ايمان حميدان برفضها التام لمسار تاريخي يتجلى في العلاقة المستترة بين العنف والطائفية

 

 

 

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع