|
صَوَّتنا للوطن
... لنرسم لأطفالنا طريق المستقبل
كانت تسير الأيام متباطئة نحو يوم الانتخاب الكبير
والمقدس لدى العراقيين وأيادينا على
قلوبنا وبتوجس وحذر وخوف من عمليات القتل العشوائي
لخفافيش الظلام ومن لا يريد للعراق الخير والرقي
والاستقرار ، والحذر والمحاولة للتعامل بالحكمة
والروية مع بعض الأحزاب التي لا تعرف معنى التفاهم
أو التسابق الانتخابي أو كلمة المكان المناسب
للشخص المناسب والتي ليس بمخزونها العقلي والفكري
غير الأنا المتعالية ومنطق السيف والقوة وأن
الشعوب لا تتقدم إلا بالحجاج ومعاوية وصدام حسين
ومن سار على دربهم المظلم الطويل الذي أرجعتنا
وأسلافنا إلى آخر الركب في مسير الإنسانية والتطور
والرفاهية .
حزمنا أمرنا أنا وبعض العوائل العراقية واصطحبت
معي ولدي الصغير للذهاب لصناديق الانتخاب لنؤدي
الواجب الذي طالما انتظرناه لنحقق إنسانيتنا ونثبت
للعالم كله إننا من يعلم الناس الديمقراطية وأننا
أول من ابتدع َ الكتابة ونحن أول من رسمنا و نحن
أو من ضحكنا ورسمنا الأمل في عيون الأطفال ونحن من
تلقى الكثير من الضربات والإحتلالات والتدمير
والتهميش منذ أن خلقت بلاد مابين النهرين وبدأ
الإبداع والفكر والتطور الإنساني لدى السومريين
والآشوريين والكلدانيين والبابليين ، فهي الغيرة
والحسد وفكرة الاستحواذ وتسقيط الآخر المستمرة منذ
نشوء الخليقة وليومنا هذا .
اليوم وبعد حياتنا ومستقبلنا اللذان ضاعا هباء
بسبب سياسة الحكومات السابقة الرعناء والدكتاتورية
المقيتة ، احتضنت يد ابني ذو التاسعة من العمر
وأخذته معي لساحة الانتخابات ليكون شاهداً عليّ
أني أحاول بكل جهدي أن ارسم طريق الديمقراطية
وكذلك ليتعلم في المستقبل كيف يمارسها وكيف يختار
من يعمل ومن هو أصلح كي يعمل لخدمته ولمواطنيه لا
أن يختار من يتسلط على رقاب الفقراء ويتعالى على
شعبه نختار من ينطق بالحق ومن يرجع لنا كرامتنا
المسلوبة من على أول قطعة متر من الأرض خارج أسوار
الوطن .
وكان الطريق ملئ بالأسئلة ماذا سنفعل ...؟
وما هي الانتخابات... ولماذا ...؟
نحن في هولندا... لماذا ننتخب للعراق...؟
كل هذه الأسئلة طرحت من ولدي ونحن في طريقنا
لمكان الانتخابات الذي يبعد ما يقارب 60 كم عن
مكان أقامتنا وأحسست من خلال هذه الأسئلة كيف يجيب
باقي العراقيين أبنائهم وهم يذهبوا بهم
للانتخابات وهم يقطنوا على بعد العديد من المئات
من الكيلومترات وقد تصل للآلاف أحياناً ، عادتني
أسئلة ولدي من حديد لنفس النقطة التي شعرت بها
وأنا على بضع مئات من الكيلومترات بلدي ساعة قررت
الرحيل الأبدي ونحن نبكي ونتباكى على قطعة وطن هي
أغلى الأوطان بالعالم هي ليست قطعة أرض هي روح
الأرض وعنفوانها وثمرتها الطيبة وهي خليط أجسامنا
وسحنتنا التي تمشي وتسوح في المنافي وفي بلدان
الاغتراب .
ولهذا فتحت قريحتي لإجابة أبني وشعرت حينها أنه
لم يفقه الكثير منها ولكن مكنونات الحزن والعوز
لحنان أمنا الأرض وكرامتي وأهلي ولغتي تقافزت
الوحدة تلو الأخرى أني أردت أن أتنفس من خلال
الحديث إليه , يا ولدي نحاول جميعاً أن نثبت
للعالم كله أن لدينا وطن ونحن أنفسنا الذي غذينا
العالم بالعلم والفنون والنفط والإنسانية ونحن....
ونحن.... ونحن ..... نحن أنفسنا اللاجئين على
بوابات الدول على مدار العقود المنصرمة ونحن
أنفسنا الذين يقطـّعونَ برقابنا ويفجرون جوامعنا
وكنائسنا وكل ما هو مقدس نحن الذين تبعثرت لحومنا
على مذابح الوطن نحن المسالمين ... نحن من ينشد
وطن ... نحن من يرسم بسمة على أجنحة السلام في خضم
غبار الإرهاب والدمار والفقر والعوز والمحن .
هي الانتخابات يا ولدي نحاول لكم أن نرسم طريقاً
معبد بالبنفسج وما علينا إلا أن نشد العزم ونختار
الصادق ونضع صح مربع حياتكم علامة صح مضيئة ومن
بعدما نغمس أصبعنا بعبير خلاصة الورد البنفسجي
وهذا اللون علامة السلام والحكمة والرأفة والعمل
هو ما نطمح أن يكون لوننا المستقبلي مثل ما كان
أجدادنا القدامى يستخدمون اللون الأزرق لطرد الشر
والحسد والغيرة من عيون وقلوب الأعداء والطامعين ،
ها نحن اليوم نستخدم البنفسجي لنطرد كل الأشرار
ونحصن قلاعنا بالحب والعلم والمعرفة مستخدمين
خلاصة الماضي وما يحويه من مآسي وآلام ، ها نحن
نصل لمكان الانتخابات حيث مهرجان الفرح والاستعداد
والحماسة لدى الجميع بأن صوته غال الثمن وهو
سلاحه للتغيير وتقرأ في عيون كل الواقفين في
الطابور الطويل التحدي والإصرار على أن يكون غدنا
أفضل وأن المستقبل سيكون أجمل وحينها رأيت أبني قد
تحمس كما الجميع أكثر من الكبار ليصل لمكان
التصويت كي يلون أصبعه باللون البنفسجي وأخبرني
بأنه يتمنى أن يبقى هذا اللون بأصبعه لأكثر فترة
زمنية ممكنة ليراه أكثر عدد ممكن من أقرانه
ليخبرهم عن بلده العراق وعن شعبه وعن تجربته
الانتخابية ونام يومه سعيداً بأنه أدى ما عليه من
واجب اتجاه وطنه الذي لم يراه لحد الآن حالما
برؤيته قريباً ويستمر حلمه ليوم يكبر ويغمس أصبع
بعبير البنفسج القادم وسط جنان ونعيم الوطن .
محمود جاسم النجار
لاهاي

|