جريمة
قصة قصيرة بقلم : رشا الصيدلي
أمسك الفرشاة بمهارة ..أخذ يرسم انحناءات الجبل بخفة ، ثم البحر بموجاته المتلاطمة ، بإيقاعات متتالية ، ولم يغفل عن رسم الزبد الذي تتركه في بعض الأماكن ، بعد نصرها في تفتيت ذرات من الصخور الثابتة ، كهياكل تفني عمرها وهي تصارعها منذ الأزل .
وفي وسط لوحته ، وضع مجموعة من النوارس . بعضها حلّق في سماء ممزوجة بألوان شمس على وشك المغيب ، وبعضها الآخر اقترب من سطح المياه محاولاً التقاط سمكة ، كان مصيرها وجبة طعام لهذا اليوم .
وفي زاوية لوحته، رسم شجرة ذات أغصان خضراء، منحنية لنسيم البحر ، الذي لم يتردد في صفعها من حين إلى آخر، حاملاً معه بعضاً من أوراقها كأنهن أسرى حرب !
كان سعيدا وهو يرسم لوحته ، حتى أنه لم يشعر إلا وهو يقف أمام هذا الجمال الساحر، يملأ رئتيه هواءٌ عذب كعذوبة وجه صبية تطايرت خصلات شعرها مع نسيم الصباح ، لتصفع جزءاً من وجهها الشاحب . حتى أن أطراف ثوبها الأبيض بدا كأنه يودُّ الفرار من جسدها المنهك . كانت تقف على منحدر مرتفع ، شاخصة بصرها نحو الأفق البعيد ...كان البحر يثور بموجات هوجاء يدعوها إلى السقوط .
وعلى بعد خطوات كان رجل يحمل سلاحا موجها فوهته عليها .. كان قد حسم القرار ..الموت للخائنة دون رحمة ..دون سماح !
فجأه توقف عن الرسم .. ترك فرشاته، وحطم لوحته !
داهمه صمتٌ غليظ قائل " أصبح الوضع لا يطاق..ألا يكفينا ما نحن عليه حتى يزيده، مشاركة مجنون زنزانتنا ! " .
تمت
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع
