الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

من وزير التربية ..  راس السطر..  فخامة كامل الزيدي . نقطة

 

بغداد تلك المدينة الحاضرة الغائبة التي بناها المنصور قبل ما يقارب ثلاثة عشر قرن حيث كانت مركز أشعاع ونور وعلم  ورقي للعالم أجمع  فيها الجوامع وما أحلى مابني فيها فهي أم الجوامع والمراقد فهي أرض المقدسات والأولياء فيها الكاظمين والكيلاني وأبا حنيفة وفيها الحسينية الحيديرية وجامع براثا وجامع السيد أدريس ولكل مكان من هذه الأمكنة قدسيته في قلوب كل أبنائها .. ومثلما هي مدينة الجوامع هي مدينة تحتضن العلم والمعرفة وهناك أغلب بداياته ومنشأه ففيها المدرسة المستنصرية والمدرسة الآصفية والمدارس البغدادية العريقة ومجمع لكل العلماء من أمثال الكندي والجاحظ والخوارزمي والغزالي وفيها كذلك نشأت أولى المدارس الفنية والموسيقية والثقافية الكبيرة التي أغنت العالم بإبداعاتهم فيها والتي تأسست واخترعت أولى الآلات الموسيقية منها القيثارة السومرية والجوزة والقانون وغيرها من الآلات الكثيرة التي تعبر عن إصالة هذا الشعب وفيها عزفت أحلى الألحان  وعاش وترعرع بعا أعظم الفنانين ، هذه هي المدينة التي ولد فيها وعاش فيها أغلب الشعراء والفنانين والمثقفين العراقيين وغير العراقيين على امتداد العصور.. بغداد وعندما نقول بغداد معناه العراق بكل أطيافه وكل حضارته لأنها بودقة لكل الطوائف والعشائر والقوميات والأديان وهي مرتع لكل معنى وفروع الأدآب والفنون والأصالة وفيها عاش وترعرع الكثير من مبدعينا أمثال عبد المحسن الكاظمي ، الجواهري ،علي الوردي  ، هادي العلوي ، صالح الكويتي ، مظفر النواب ، القبانجي ، يوسف عمر ، ناظم الغزالي ومطربات كثيرات في عقود طويلة مضت من صديقة الملاية وزهور حسين سليمة مراد وعفيفة سكندر ونرجس شوقي وغيرهن كثيرات ومن نحاتين كبار شهد العالم كله لهم بالروعة والإبداع من جواد سليم وخالد الرحال ومحمد غني حكمت وفائق حسن وغيرهم كثيرين وكذلك في المسرح العراقي ، هذا المسرح الذي نحمل فيه الأسبقية من المسارح البابلية وصولاً للمسارح في بدايات القرن العشرين وتأسيسه على يد أساتذة كبار من أمثال الراحل إبراهيم جلال ، أسعد عبد الرزاق ، يوسف العاني ، خليل شوقي ، محمد القيسي ، عوني كرومي ، قاسم محمد وغيرهم من الفنانين المبدعين الكثيرين ،  حيث  تشهد أعمالهم وجماهيرهم وما يطرح على خشبة المسرح ومن قبل مسارح العالم أجمع برصانته وطرحه وهو الحاصد للجوائز في كل مهرجاناتها وهو الذي نفخر به في المحافل الدولية وسط ذاك الخراب الذي قامت به حكومة الطاغية .

بعد كل هذا الموجز البسيط الذي قدمناه وهو نقطة في بحر من تأريخ بغداد ، بعد كل هذا تأتون انتم أيها الرؤساء والسادة المبجلون الخزاعي والزيدي وتمسكوا بمعولكم وماتحملوا من أفكار لا تنطبق على ما ذكرناه مسبقاً بعظمة ما ذكرناه من إرثنا الحضاري إلا في زمن الطاغية المقبور بل زدتم عليه وتريدوا أن تهشموا هذا الإرث العظيم الذي صنعوه عظمائنا وآبائنا وأجدادنا بجهدهم وتعبهم وبفناء حياتهم من أجل بلادهم وشعوبهم وللإنسانية جمعاء وأبدعوا ليقولوا هذا هو العراق وهذه هي عظمة شعبه ، وابسط شئ ما يجب أن نقابله هو العرفان بجميلهم العظيم كما هو حاصل في أعراف كل دول العالم المتحضر والمتطور هو أرث يعظمونه وتمجده الشعوب والحكومات وتخصص الكثير من ميزانياتهم للحفاظ عليه وتقيم للإبداع والمبدعين والفنانين والمثقفين مهرجانات وأستذكارات وحفلات تأبين وأمكنة مقدسة مثل بناء متاحف من الشمع مثل ما هو موجود في اكثر دول العالم ، كذلك تجمل وتسمى تقاطعات الشوارع والساحات الكبيرة في مراكز المدن بنصب يليق بما قدموه هؤلاء الشعراء أو المثقفين والعلماء والمبدعين.

لا أن تأتوا أنت أيها الرئيس لمجلس محافظة بغداد ووزيرنا المبجل خضير الخزاعي وتقفلوا وبدون اية مقدمات أجمل فروع الثقافة وهي الموسيقى والمسرح من معاهدنا محاولين بذلك خنق ثقافتنا ورجم مبدعينا الأولين بالحجارة وهم الذين قالوا وتعاملوا وصنعوا يومياتهم من خلال الأبداع وكما قال أحد عظماء العالم المتحضر ( أعطوني خبزاً ومسرحاً أعطيكم شعباً مثقفاً وواعياً ) بل أنتم العكس تماماً ومصرين على المحاولة بغلق كل منافذ الحياة بوجه المبدعين الأحياء من أن يتنفسوا العراق بمشاعرهم وضمائرهم محافظين غير منافقين منتظرين ومحتسبين من الحرية الجديدة الحياة ومسرح الكلمة الحرة وانتظار الأنصاف والتقدير منكم لا أن يهمشوا وينعتوا بألفاظكم أو أن يقزّموا كتلك الألفاظ التي أطلقتموها مثل ( الثلة الضالة ، النفر المتوهم المأجور ) ، كفانا تسقيطاً للآخر فأولئك الذين تظاهروا ورفعت أصواتهم منددين وممن أطلقت عليهم تهكمكم هم نواة أغلب مهرجانات العالم وهم من يفوزوا بالجوائز ويرفعوا أسم العراق لا أنتم وأمثالكم ممن عاشوا حياتهم بمخابئ الأحزاب والتطرف والماديات والمصالح والنفعية واللطم ولا يفكر أحدهم  إلا كيف ينفذ ما يطلب منه والإخضاع لعبودية مطلقة .. راجعوا مواقفكم لان ما فعلتموه بعيداً عن ما نادينا به من قبل وما تغربنا لأجله وتشردنا لأجله وقراراتكم منافية للقانون لأن من يتخذ مثل هكذا قرارات يجب أن يصدر من جهة تشريعية أي من قبل مجلس النواب ولو أننا نعلم أن أغلبية الأصوات من الأحزاب الدينية ولكننا نأمل بالعقلاء منهم وأصحاب العقول المتفتحة والديمقراطيين والعلمانيين وعما تتطلبه مرحلتنا الراهنة من تجاذبات ومن محاولة لتهديم بلدنا وتغيير معالم عاصمتنا الجميلة وطمس كل تأريخها الثقافي والحضاري الجميل وتذكروا أن الثقافة والمسرح والموسيقى والرياضة هي التي وحدت وتوحد الشعوب وترفع من ذائقتهم وأنتم بهذا الفعل أنما فعلتم الانشقاق بين صفوف المثقفين أنفسهم بل بين الناس أجمعين بين رافض وراغب وهذا مايريده الإرهاب بالضبط وما تريده الجهات الحاقدة وغير المحبة لبلدنا بينما هم يقيموا المهرجانات واستقطاب الفنانين والمبدعين من كل أرجاء العالم ويتقدموا ويصيروا في ركب الأمم المتحضرة وليقولوا نحن الأفضل والأجدر من خلال الفنون والثقافة والموسيقى والمسرح بالإضافة طبعاً للعلوم المختلفة .

في الختام نناشد الرئاسات التي أصبحت كثيرة ماشاء لله والكل يحكم ولا نتمنى أن نقول الكلمة الشهيرة ( أذا كثرت ملاحين السفينة الواحدة تغرق )  ولكن هنا نتجه إلى كل المخلصين من المسؤلين من الرئاسات الثلاث مجلس وزراء ، مجلس نواب ، رئاسة جمهورية  أن يتخذوا وقفتهم بوجه من يريد أن يرجعنا لعصور الظلام والرعوية ومسخ العقول والذائقة العراقية الجميلة وأن ينصف الثقافة والمثقفين وأن يسلموا وزراتها مثل التربية والثقافة والسياحة  بيد ذوي الاختصاص والمعرفة وممن يحبون بلدهم وتراثهم وإبداعاته وأن يعطي مبدعينا الراحلين حقهم ويريحوهم في قبورهم وأن ينصفوا الأحياء منهم وتكريمهم فهم ثروتنا التي نبني بها بلدنا الجميل وبهم نغذي العالم كله بالثقافة والفنون وأن نحتضنهم في سماء وأرض وقلب الوطن  بدل أن يأتي يوم ونستورد مبدعين كما هو حاصل الآن من  تبديد ثروات وتدميرها من خلال عشوائية الاستيراد من  أفكار سوداوية إرهاب أو تخلف أو زناجيل وكلها تؤدي لموت حضارة وطمس أمم أو استيراد لأبسط مادة وإدخالها البلد سواء كانت مأكل أوملبس أو بضائع بدل أن يستقطبو ويشجعوا العقول العراقيين المتواجدين في الخارج من خلال منح الفرص ونشر الحريات الخاصة  وأن ينعشوا الفلاح ويدخلوا المكننة ويجلبوا له أجود البذور أو يغدوا المصانع وترميمها وأن يستغلوا اليد العاملة الماهرة المتعطلة عن العمل في الداخل لسنين طوال وأن ينظموا الاستيراد ، نريد ان نعلنها هنا دوية بقولنا .. كفـى .. كفى للضلاميين وكفى للمتحزبين وكفى لأصحاب الشعارات وكفى لمقتنصي الفرص ومقطعي الكعكات الوطنية وأعيدوا لبغداد نضارتها ورونقها وجمالها وصدقها وصبحها الجميل الملئ بالعافية وحب الخير وأعيدوا لمساءات بغداد الجميلة بأضوائها الملونة بمسارحها وصالات السينما وحدائقها ومطاعمها الجميلة الملونة كألوان الطيف الشمسي الزرقاء والحمراء والبيضاء والصفراء وخان مرجان والنوادي الاجتماعية لموظفي الدولة والأقتصادين والفنانين والأدباء ليشعروا أن بلدهم قد عادت له عافيته وأن يرجع الغريب لأهله وأحضان وطنه .

 

محمود جاسم النجار

لاهـــاي

20-12-2010