الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

أوقفوا هذا النزيف الأخلاقي في قنواتنا الفضائية  ...!

 

 بقلم : محمود جاسم النجار

 

هنا حين تمتزج الدمعة الحرة مع ضحكة مرة وتولد صراخاً مدوياً لا تشق به إلا جوانب صدرك من الغيظ والقهر والحسرة لا لشئ لا لوطن عظيم مثل العراق تهدم ولا لشعب يعاني الأمرين من نقص في الخدمات سواء انقطاع الكهرباء في جو جهنم الله في الأرض التي تقارب الستين درجة ونقص المياه ونقص الهواء النقي .. حتى الطبيعة حاربت شعبنا . لم يبكينا كل هذا فنحن الصورة المثلى لصبر أيوب وحلم كل الأنبياء ولكن ما يبكينا ويمزق حشاشة قلوبنا هي هذه المهازل التي تحدث يومياً ونشاهدها من على شاشات التلفزيون ونشرها من خلال الفضائيات بكل العالم والتي يراها ويسمعها القاصي والداني .

كل شعوب الأرض تفتخر بمبدعيها وفنانيها وتمجد القدرات التي تمتلكها بلدانهم  وتريد أن توصل اسم بلادها لآخر بقعة من الأرض ليستفيد شعب هذا البلد من موارده وخيراته للتعاون سواء كان إعلاميا ، فنياً ، تجارياً ، سياسياً   ... أنه رمضان الخير والبركة شهر الطاعة والأيمان والرحمة والعطف والتعاون بين الإنسان وأخيه الإنسان ، لكن بعض المنتفعين من أصحاب الفضائيات  وأصحاب النفوس الضعيفة من المتاجرين بالثقافة والفن العراقي يريدون له العكس والتسقيط من الرواد والرموز الفنية والإعلامية خلال السنوات الغبرة الأخيرة من قبل مستغلين شهر الرحمة والأيمان لترويج  تجارتهم التي يقتلون بها روعة وخيرات هذا الشهر وجمال وأصالة بلدانهم  من خلال ترويج برامجهم الإباحية وإظهار صلاحية اللحوم البيضاء والسيقان الرشيقة المستوردة تصول وتجول في الليالي الحمراء وأما أن يبدأ الفطور مع دعاء الآباء والأمهات والخيرين والخيرات لمحاولة تثبيت دعائم الرحمن في زوايا بيوتهم وقلوب أفراد عوائلهم حتى تزاح ستائر الشيطان لقنوات فضائية مثل الشرقية والبغدادية لبث سمومهم وضياع ثبات الأجر ومشقة اليوم بكامله بمعاناته وصبره وضياع تعبهم لما يحاولوا أن يزرعوه من أخلاق حميدة في يوميات أبنائهم .

في شوارع الغرب يخُلــَد المبدعين بتسمية شوارع مدينتهم  باسم مبدعيهم  ، نجد بكل شارع بإسم عالم أو فيلسوف أو شاعر أو فنان أو نحات وحسب تأثيرهم ومكانتهم الإبداعية تختار أهمية الشوارع المهمة التي توضع بأسمهم ويخلدون بنصب على شكل تمثال لوجه الفنان أو المبدع ونبذه مختصرة عن حياته وعن إبداعه وذلك  للتواصل والاستمرار العلمي والإبداعي للأجيال القادمة وتحفيزهم ليكونوا كأسلافهم مبدعين ونافعين لخدمة بلدهم وشعوب الأرض ، أما في حياة المبدع فأنه يكرم الفنان والمبدع على الدوام من قبل الدولة والمؤسسات الإبداعية والعلمية المتواجدة في البلد فهم واجهة البلد وذخيرته وبهم تتباهى الأمم أما في بلداننا فأن الفنان تسلط عليه الأضواء مادام بكامل صحته ويمتلك الطاقة للاستمرار وبعدها يُنسى كما هو حال الكثيرين من مبدعي أمتنا .

في السنين الغابرة كانت الديكتاتورية هي من تتولى تصغير وتحجيم المبدع العراقي وتطويعه حسب أرادتها ولخدمة مصالحها والمجهود الحربي لقائد الضرورة وإجبار الكثير منهم لحيثيات كثيرة لا نريد الخوض بها الآن ، وفي المقابل أمتنع قسم كبير من المبدعين والفنانين ولاقى ما لاقاه من غضب السلطة ومن عناء الغربة في المنافي بعيداً عن بلده وجمهوره وأرضه وضياع احلى سنين عمرهم من أجل الثبات على الموقف أما ما يقوم به الآن من مناصري قناة الشرقية والبغدادية من خلال برامج مثل الحكو.. مات .. لاشاك .. خلْ ن بوكا  وغيرها من التوافه وآخرها للمناضل سعد خليفة البطل بقامته الرائعة رقم ( 1)  في القناة والذي يحاول هو ومنتج العمل ومديرها أن يقزّموا  شعب العراق بكامله من خلال العمل الأخير كرسي تمليك وهو محاولة لتسقيط سياسي معين على حساب سياسي آخر في الوقت الذي يجب أن يأخذ الفن الحياد من كل الأطراف والعمل لخدمة البلد وشعبه وفنانيه ومبدعيه .

 شعب كريم وخلاق ومبدع  كشعب العراق لن يقبل بما يراه من مهازل من على شاشات التلفزيون فالكثير من المثقفين والغيورين على شعبهم وفنانيهم ومبدعيهم يتألمون لما يشاهدونه يومياً من أهانة لكرامة وأحاسيس مبدعيهم مثل ما جرى مع الفنان الرائد المبدع طالب القره غولي على يد الفنان حسن هادي مع الأسف أن يستخدموا فنان نكره أخذ يستهزئ من فنانينا الكبير القره غولي والاستخفاف والاستهزاء من الأغاني العراقية الخالدة مثل أغنية  البنفسج وغيرها من الإرث الكبير من الفن والأبداع لهؤلاء الرواد والتي تمس ذوق وضمير وتاريخ أغلب العراقيين ونفس الشئ ما حصل مع فنانة مثل الفنانة الكبيرة أمل خضير والتي تعاملت مع الحدث بكل كبرياء وأخلاق سيدات العراق المتزنات وشاهدنا  استغرابها  من هكذا مهزلة ومعاملة من المؤسسات الأعلامية والجهات المنتجة وما يقطع الضمير والوجدان هو مانراه من على شاشة البغدادية ومن وقاحة  بطلها علي الخالدي المتخنث بالفطرة ومن ملابس البَدي التي يرتديها من خلال برنامج  خلْ نْ بوكــا ، ومع الأسف استغلال فصيل من الجيش العراقي ( الباسل ) بمعداته وأسلحته لإكمال خيوط  الخدعة وحبكتها بحيث لا يستطيع كائن من كان أن يشك ولو قيد أنملة بأنها مفتعلة ، هذا الجيش الذي طالما ما صورته هذه القنوات مثل الشرقية والبغدادية على وجه الخصوص بالجيش الذي يضطهد الشعب والإعلاميين ويا من صوروا انه يقمع الصحفيين وخصوصاً العاملين في هذه القنوات ، نراه الآن وبقدرة قادر جيش متعاون وأدخلوه دورات تدريبية لفن التمثيل بدل أن يقدموا تقريراً عنه ليبيضوا صفحتهم التي شوهوها من خلال تقارير عديدة  صورة الجيش والشرطة الذين يخدمون بلدهم وسط بحور الموت اليومي محاولين بذلك بث الخلافات الطائفية وزرع الفتنة  وهذه صورة واضحة كيف أن الجيش والشرطة تحاكي الإعلاميين والصحفيين بتواجد السيطرات في مداخل كل المؤسسات الأدبية والإعلامية  وتسهر على حمايتهم وعلى حماية مؤسساتهم  الثقافية .

ماذا تريدين أيها البغدادية من فنان هو خليط من الإحساس المرهف والإبداع وحامل رسالة وهم الموت والقهر اليومي العراقي وتحت شمس العراق الحارقة  وبنفس الوقت يواجه مدرعة مصفحة وأسلحة وإطلاقات نارية حيه وأتهام شخصه بالإرهاب إلى جانب أنه يقف جنب قنبلة موقوتة قد تنفجر بين لحظة وأخرى ، ماذا تتوقعون منه غير الخوف أو الهرب أو البكاء والتفكير بمصيره ومصير عائلته ...إلخ .كل هذه هي مفردات قمة في الإنسانية وسط هذا هذا الضياع والدمار الذي يعيشوه .. هل هدفكم هو أضحاك المشاهد العراقي على حساب مبدعينا وإذلالهم ، أنه استهانة بذوق المشاهد العام فهو ليس بهذه السذاجة وهو الناقد الأول ويقّيم ما يشاهده سواء كان كمية مهازل أو خلاف ذلك ألق وإبداع ، أما كلام مقدم البرنامج الوسيم الخالدي بقوله ( نريد أضحاككم )  أنها مهزلة يوم اختاروك للقناة ويوم أتيت لتقدم برامج وأنت لا تفقه أن تختار مفردات تليق بشعبك وذائقته وأخلاقه ، الضحك والكوميديا فن راقي ذات رسالة وسمو والضحكة التي تريد أن تهديها لنا يجب أن تكون نبيلة لا أن نضحك ونستهزئ على قامات فنية عملاقة وعلى ضمائر ودمعة فنانينا ومن صحتهم وسط هذا الضجيج والتخلف القادم من الظلام والحروب والموت .

في الختام باسم الذائقة العراقية المستباحة والشعب المظلوم والمسلوب منه كل أسباب الحياة الطبيعية حيث لا كهرباء .. لا ماء .. لا أمان ،  نطالب كل الجهات المعنية ذات العلاقة  ابتداء من نقابة الفنانين ونقابة الصحفيين والأدباء والكتاب والمثقفين بالتدخل ومحاربة هذه الظاهرة المرضية والتي تحاول تهديم الذائقة العراقية والإبداعية  ..أنها مطالبة جادة لوقف هذا النزيف الأخلاقي للقنوات الفضائية والإعلامية ويجب أيقاظ مقص الرقيب الفني والحكومي من سباته الطويل وصحوته لكبح جماح هذه الحرية المطلقة السائبة  بلا حدود أو نظم أو قوانين التي استخدمت شاشة العائلة أسوء استغلال وخصوصاً في الشهر المبارك مايشابه  تجارة العري واللحوم البيضاء والرقص والابتذال واستخدام الألفاظ النابية والسوقية التي يتداولها التائهين في ظلمات ( الدرابين ) الشوارع والحشاشة والسوقيين من على الشاشة التي تدخل أفقر وأغنى البيوت العراقية محاولين بذلك تسخيف الذائقة العراقية الرفيعة ولا يشفع لنا ويشفي غليلنا في مثل هذه الحالات ورجماً لهذه المهازل إلا مواقف الكثيرين من الفنانين الملتزمين أصحاب المبادئ والباحثين عن الفن والإبداع الراقي من خلال ترفعهم والامتناع عن المشاركة في مثل هذه المهازل والإبقاء على الذوق الرفيع واحترام الذات العراقية وذائقته وثقافته التي تمتد لجذور سحيقة وتأثير الحضارة التي أنارت الطريق لكل الإنسانية .

 

 

هولـــندا -- لاهــــاي

 17  آب 2010