فنجان قهوة مع فنـــان
حاوره : محمود جاسم النجار
بعض الأحيان تلتقي أحدهم تشعر أنه قريب من مشاعرك وطريقة تفكيرك وأن هناك شي خفي يدفعك للاقتراب أو بعكسه تشعر بضرورة الابتعاد عنه ، تعرفت على الإنسان بييتر فالتمان في مدينة دنهاخ (لاهاي) ومنذ الدقائق الأولى تعرفت عليه كأي شخص اعتيادي ودون أي مقدمات ولكني شعرت من خلال الحديث بإنسانيته الكبيرة وتعاملت معه كما ولو أني متيقن أن بداخل هذه المساحة الإنسانية فن وإحساس وإبداع كبير ، قد يكون أتبعت معه بالمقولة المشهورة ( الكتاب واضح من عنوانه ) .

تحدثنا كأي كلام عابر عن السنين الأخيرة وما تحويه من ويلات الحروب وتعقيدات التعامل مع اختلاف الأيدلوجيات والأديان والقضايا الاقتصادية والسياسية وكيف أن هناك عوامل كثيرة ساعدت على الأبتعاد بين الأفراد ذات المرجعيات المختلفة وكيفية أيجاد بعض الطرق لإرجاع اللقى الإنسانية بشتى الوسائل ومن هنا بدأنا نلتقي رويداً رويداً بمشوار طريق الفن والأبداع وكنا سعداء بهذا الإحساس الإنساني العالي ألا وهو الفن الذي سيجمعنا ومن المحتمل أن تكون صداقة أعمق ... من يدري ، قد يكون أحدنا محتاج للآخر على دروب الإنسانية الوعرة وبالفعل تصافحنا من جديد وعرف كل منا نفسه للآخر وعندها تنفسنا الصعداء وسعدت بأني تعرفت على فنان وأنسان يملك قلب كبير في آن واحد .
قررنا أن نلتقي في اليوم القادم لشرب فنجان القهوة سوية هذه المرة ستكون بمشغله ومرسمه .... !
في اليوم التالي ذهبت لمكان الفنان بييتر فالتمان وجدته واقف في واجهة المشغل ينتظرني وفرحت كثيراً من هذا الاستقبال الظريف ودخلت المشغل وتطايرت نظراتي بسرعة في كل زاوية من زواياه ورأيت أعمال كثيرة ومختلفة ... وعلى طعم القهوة الرائع وبنظرات متمعنة للمكان رأيت له أعمال متنوعة من لوحات فنية رائعة وكذلك بعض النصب والتماثيل عندها بادرته بالسؤال التالي
أين تجد نفسك في الرسم أم في النحت ....؟
*** ذلك يتبع للإحساس الذي أشعر به حينها ونوعيته وأي الطرق سواء كانت رسماً أم نحتاً هي ما تحقق وتشبع غريزتي الإنسانية والإبداعية فأتبعها باللاشعور ويتم أختاري أحداهما حسب نوعية مزاجي وأحساسي في ذلك اليوم .
هل درست الفن ....؟
*** لا .. أنا لم أدرس الفن كتخصص ولكني بحكم الممارسة والخبرة التراكمية ، مع هذا أنا أعطي دروس في الرسم والنحت في أكثر من مكان بهولندا .
ولكن كيف ذلك ...؟
*** كان أبي مدرس للرسم وكنت أتتبع خطواته ولمسات فرشاته ولا أدري قد تكون الموهبة موجودة بالجينات عندي ( عامل الوراثة ) ، وكذلك أتذكر كيف كانت والدتي كثيراً ما تصطحبني يوم الآحاد معها للكنيسة عندما كنت طفلاً ، حينها كانت تستهويني الروائع للأعمال الفنية الجميلة من لوحات ونصب وتماثيل فريدة التي تملأ جدران وسقوف الكنيسة ، حينها كانت تبهرني وأقف أحيانا كثيرة أتمعن بها جيداً كأي حالمٍ صغير أنسى بها نفسي وأغوص في أعماقها وهذا جزء كبير مما أخصب ذاكرتي وذائقتي معاً وحين عودتي للبيت كنت أسطر ما خزنت به ذاكرتي على الورق محاولاً عمل أشكال أظن أنها مقاربة لما شاهدته حسب مراحل مداركي العمرية

متى شعرت أن بداخلك فنان ...؟
*** كان الفن يستهويني ويسحرني وهو عالمي الخاص الذي من خلاله أبوح فيه مكنوناتي وأتنفس به وأكثر المقربين مني كانوا يلاحظون ذلك ولكني تيقنت من أنني فنان وما بداخلي هو فن حقيقي عندما أقمت المعرض الأول عام 1978 م وقد لاحظت الأنطباع الجميل والتقدير من الجميع وبالخصوص المقربين مني والمتخصصين بالفن أتجاه عملي وأزداد يقيني عندما بعت بعض الأعمال في معرضي الأول .
هذا رائع بأن تبيع لوحاتك منذ المعرض الأول ، هل لي أن أسألك هل تعتمد برزقك على فنك ...؟
*** نعم أن في كل معرض أقيمه أبيع منه وهذا ما يعطيني الدافع للاستمرار والشعور بالفخر بما أفعله وكذلك كما قلت لك من قبل أنا أعطي دروس لمادة الرسم والنحت في أكثر من مكان ، ولي الكثير من النصب والتماثيل في الأماكن العامة وأعمل كذلك الكثير من التصاميم التي تدخل في الحياة اليومية للفرد ولكن بطريقة ونكهة فنية حياتية ذات طابع راقي في التعاطي كأعمال فنية كعمل تصاميم وما شابه .
بعدها أخذت ارتشف القليل من القهوة والتمعن في أحدى لوحاته المعلقة خلفي وتحيرت بها كثيراً وشعرت بقليل من الحزن عند النظر طويلاً لها عندها لم أرغب بأن تطول حيرتي ومتاهاتي فبادرته بالسؤال التالي ...

ماذا تعني لك هذه اللوحة وما هو الاسم الذي أطلقته عليها ...؟
*** فعلاً كان إحساسك قريب مما تعنيه هذه اللوحة وأسمها ( التردد ) وفيها الكثير من المعاني وبعضها نابع من ترددنا في المسارات الحياتية والشك والضياع الذي نشعر به أحياناً في دوامات هذه الحياة المادية والانتكاسات النفسية والإحباط جراء العلاقات الإنسانية سواء كانت العاطفية منها أو الصداقة وإلى أي مسميات أخرى تدور حول الروح البشرية .
انتقلت مباشرة إلى الجانب الآخر وإلى لوحة أخرى طالما حيرتني عندما أراها معلقة في أحدى معارض الرسم في شارع المعارض في دنهاخ النورد ايند .
ما أسم و قصة هذه اللوحة ...؟

هذه اللوحة تعطيك الحرية والاختيار في كل شئ من التفكير في دلالة على حالة الاستقرار النفسي والروحي لذلك اليوم ، كذلك تفسير لمسيرة الطبيعة الإنسانية والحياة بأشكالها المختلفة فأخذ يشرح لي من اليسار إلى اليمين كيف تبدأ الحياة بألوانها الهادئة ومن ثم تستمر بالصعود إلى ألوان ساخنة مما تعنيه من بداية الخلق والطبيعة الإنسانية وأختراقتها مشير إلى الألوان وتفاعلاتها مع تناغم الروح البشرية التي تتأثر بالمحيط التي تتواجد فيه وعندما نقلب اللوحة الى جهة أخرى تستطيع أن تقرأها بشكل مغاير وهذا ما يميز هذا اللوحة في حرية التفكير ونفسية المشاهد والقارئ لما تحويه من أنبعاثات موسيقية مرجانيه تتغلغل لأعماق الروح والذوق معا ً .
هل تتذكر أعمالك القديمة أو تحتفظ ببعضها ...؟

*** الحقيقة لا أتذكر منها شيئاً ولم أنتبه آنذاك لهذا مطلقاً ، ولم أحتفظ بأي مخطوط أو عمل من أيام طفولتي أو شبابي لعدم إدراكي بأهميتها قد يكون السبب في ذلك لأني كنت أرسم كهاوي ولم يدر بمخيلتي أني سأمتهن الفن أو أتخصص به .
هل لديك هوايات أو أهتمامات أخرى ...؟
*** أنا أهتم بالكثير من التفاصيل الدقيقة التي تهتم بيوميات الإنسان علاوة على هذا أنا قارئ نهم وتستهويني مواضيع كثيرة أهمها التي تتعلق بقضايا الأدب والفن والفلسفة وكذلك أعشق سماع الموسيقى وأعزف كذلك على آلة السكسفون وأيضاً أمارس هواية التصميم وعمل الأشكال الهندسية والفنية للكثير من أحتياجاتنا اليومية والبيتية ، مثل عمل طاولات فريدة لأمكنة الأستقبال سواء كانت لأماكن عامة أم بيوت ولي الكثير من التصاميم الأخرى كأواني الزهور وغيرها .

حينها طلبت من الفنان بييتر أن يعزف لي ولو قليلاً على آلة السكسفون وكان عزفه رائعاً يدل مقدرة وذوق عالي ، وبعدها أن أنتهى من العزف ، نظرت خلالها لفنجان القهوة الذي أُفرغَته من محتواه لطيبة مذاقه فأستأذنته بالرحيل متوجهاً له بالشكر الجزيل للضيافة الطيبة وسعة صدره لأسئلتنا ولفضولنا التي أجبرتنا لندخل مغاور حياة هذا الفنان بمشغله وقلبه ، مددت يدي مصافحا على أمل اللقاء به خلال وقت قريب وهذه المرة أنشاء لله بمشروع عمل مشترك مع مجموعة من فنانينا نمزج من خلاله فن العراق والمشرق بالفن الأوروبي بوقت واحد.
محمود جاسم النجار
لاهاي ------ تموز 2010