قريبا بعد الحرب ..... قاسم الساعدي
بقلم : نتصار الغريب
من عجائب الحروب أنها رغم لغة الدمار والخراب، تفتح قريحة الفنانين نحو رؤى وأفكار إبداعية جديدة، تستحضر الماضي القريب عبر تجسيدات فنية تستقرأ التغيرات التي تطرأ على الإنسان والأشياء بعد الخراب، و تنتقل إلى مرحلة جديدة ترفض تشويهات الحرب وإنكسارات الروح .
قدم الفنان العراقي قاسم الساعدي في معرضه الأخير " قريبا بعد الحرب" الذي أقيم مؤخرا في العاصمة الهولندية أمستردام، عصارة إبداعه عبر سلسلة تجريدات لونية مختلفة، إستوحت من موضوع الحرب جميع ثيماتها، خاطب الإنسان أولا وأخيرا وأشار إلى مفردات الحرب التي تترك بصماتها في كل مكان .
مواليد بغداد 1949 ولد على حافة نهر دجلة لغاية الآن يشم رائحة الماء والأسماك الطيور ، الطين ورائحة بغداد المميزة التي يفتقدها في كل الأماكن والبقاع الأخري التي عاش فيها. فترة مابعد الحرب غالبا فترات غاية بالمشقة والصعوبة والقسوة حيث يكتشف الناس عمق جراحهم وأيضا يريدون إكتشاف أنفسهم لأنهم يحاولون لملمة جراحهم وبناء الذات المنكسرة، بالتالي حاول الساعدي في معرضه الأخير أن يضع خطا حول فكرة الأمل من خلال رؤى فنية تتسم بالتحدي والرفض،يتجسد فيها حلم الفنان الساعدي في الأمل والعيش في زمن جديد لايعرف التشويه ويظل الإنسان شاهدا أولا وأخيرا على كمية القسوة التي تتسم بها الحرب بحيث لاتعرف سوى لغة الدمار .
يقول في مطلع حديثه:" أعتقد بأن اللغة العربية بين الحساسية العجيبة حيث تتشابه كلمتين في عدد الحروف وتتناقضان بالمعنى في آن واحد . كلمة ألم وكلمة أمل نقيضان ولكن نفس الحروف أعتقد بأن مرحلة الحرب تجمع الكلمتين . الحرب تحاول أن تبدي أكبر قدر من القسوة وتفكك أجمل المعادلات الإنسانية، بينما يعمل الفن على صياغة الجميل وربط كل مناطق الجمال ببعضها هناك تداخل بين الفن والحرب، غالبا تبدأ الحرب بالفن السيء، الدعاية لآلة الحرب وهذا هو هجوم الحرب على الفن وكل ماهو جميل من الداخل" .من هنا يبدو التناقض واضحا الحرب تمزق اللوحات وتقتل الفنان، هناك العديد من الفنانين الذين قتلوا أثناء سوقهم للخدمة العسكرية الإلزامية أو تم إستخدامهم كوقود للحرب هنا يبدو المشهد حادا قاطعا.
تعتبر تجربة قاسم الفنية غاية بالأهمية بحيث نجح في إعادة بناء تجربته في بلد مثل هولند يمتلك عراقة هائلة بالفن من خلال خصائص متنوعة ثرية تتمثل واضحة في كل شارع، زقاق، مدينة، أيضا يوجد عدد كبير من الفنانين في أرجاء البلاد، المتاحف أكثر من تسعمائة متحف وتاريخ طويل حاضر مؤثر، أن يعيد الفنان العراقي بناء تجربته في هذا الجو المشحون بالتنافس، كان رهانا شديد القسوة ولكن لابد أن يعمل بإيجابية ويثابر ليلا ونهارا

بسبب الخصائص الثقافية الفنية السائدة بالبلد، لهم عيون وحساسيات تلتقط المبدع، والمتميز من التجارب الفنية لاينظرون هناك إلى لون عيونك بقدر ماينظرون إلى جودة الفن والعمل المقدم، بدأ عام 1994 تقريبا من الصفر، في عدة بلدان مثل إفريقيا، آسيا ثم أوربا محطته الأخيرة. كثيرة هي الحروب التي مر بها العراق والعراقيون سواء كانت حروبا معلنة أو سرية مختلفة أو أي شكل من الأشكال،الإيقاعات والخسائر، جيل بكامله دفع تكاليف باهظة، ربط بين تجربة الحرية بالعمل الفني والحرية بمعناها الأوسع حرية البشر، إضطر ممثلي هذا الجيل إلى مغادرة البلد الأم،كان المنفى بالتالي خيارا صعبا، بدلا من الوقوع في كماشة التناقض مع نظام مستبد، هذا الجيل عانى من التدمير الذاتي، وتم مسحه من خريطة الثقافة العراقية،كان قاسم حاضرا دوما بالتغييب عن وطن جريح رغم القارات والمسافات الشاسعة والأماكن التي تواجد فيها.
كثيرا ما تطلع إلى تجارب الفنانين الذين غيبتهم السجون والمعتقلات السياسية، الذين قالوا لا للعدالة ، للقسوة ولكافة الأشكال الإستلابية، المسيح ، الحلاج كلهم صلبوا على نفس الصليب ونفس المسمار إختار الساعدي المسمار رمزا للألم الإنساني خارج الدين والطائفة، المسمار يصدأ لكنه يترك ندوبا على الجدران لايمحوها الزمن وقد تمثل المسمار في تجريدات فنية مختلفة في معرضه الأخير قريبا بعد الحرب.
نظرة إجمالية شاملة إلى تجربة قاسم التشكلية، نجد بأنها تطورت مع مرور الزمن، مايعنيه التعامل مع الخامات والمواد البسيطة قد نسمي هذا الإتجاه واقعية لكن من الصعوبة تصنيف الفنان ، يقول الساعدي" كفنان لاأحب أن أوضع في خانة ، تصنيفات المدارس تشعرني بالقلق، خذ مثلا تجربة الفنان المبدع بيكاسو عاش عمرا مديدا لكنه بدا حافلا بالإنتاج الفني الرائع، حاول النقاد أن يقسموا حياته إلى أجزاء، لكن الفنان غير معني بهذا التصنيف ، تأتي الفكرة أحيانا بشكل مادة، وأحيانا تقترح المادة معالجة ما، لكي تكون بالتالي جزءا من عمل معين، قد يترك مسمار صدأ في جدار يثير المخيلة بإتجاه عمل محدد ربما علبة شراب صدأ على الطريق العام قد تكون جزءا من عمل جميل، المخيلة هي ماكنة سحرية تعمل على مدارساعات في اليوم، تعيد بناء نفسها تحذف ماتشاء،يجب إحترام تلك المخيلة بوصفها كائن حي، أحد أشكال مداري وجودتي، ولهذا أنا حر بالتعامل ربما مع خامات محملة بالطين، الحديد، الزيت، الطين، الكثير من المواد، لكنها بالتالي تشكل تجربة متناغمة مع ذاتها، تقول ماتريد قوله، رغم إختلاف المواد التي أستخدمها وأنا مستمتع كثيرا .
الأمل والألم

يهمين على الفن التشكيلي للفنان الساعدي الدلالات، العلامات والرموز العربية، وتناوله مع معطيات الحرب، إن إستلهام التاريخ في ذاته لم يكن يعني لديه سوى الربط الوثيق بين واقع مر حاضر دائما في مخيلته، حيث يخاطب البشرية بلغة الفن، في أعماله الأخيرة ، لاتستطيع قراءة تلك الرموز، لكن تشعر بها مباشرة عبرأسلوب من اللغو التجريدي، غالبية اللوحات تشبه الجدران القديمة، الجلد يحك ومعبأ بالعلامات، آثار البشر تبقى على مر العصور والأزمان، علامات ، خربشات في جدران الزنازين ، لرفقاء السجن، ربما عاش البعض أو مات، ترمز الجدران لجيل معين، حقبة زمنية، الإنفراج، الخربشات، القلق، حقول الدم، اللون الأبيض حاضرا دائما لدى قاسم لكن لديه أحيانا عطش نحو الألوان الأخرى كالأزرق، الأحمر الرصاصي. تميل معظم اللوحات نحو إستخدام المستوى ذو البعدين. عن معرضه الأخير بعد الحرب هناك الكثير من المواد ، الإطلاقات، التجارب، أبرزها مجموعة أعمال الطين، السيراميك و النحت، كلها في خامات تطبيقية مختلفة تم توظيفها في لوحات مختلفة عن الحرب . بعض الألوان تم تطويعها لصالح الفكرة الرئيسية، في بعض الأحيان يسطع لون معين يفرض تعبيرا خاصا، قد يكون عباءة الأم أو لون التركواز للوشم، أو لون الجلد والجسد، الفجر، كثيرة هي الحالات يمكث فترة بالأبيض ثم يخرج إلى لون آخر على الأزرق والأحمر، ثم إليها مجددا، كثيرة هي الألوان، على سبيل المثال في فصل الخريف يضغط الفضاء على النور ويحاول إستعادة الضوء الذي فقده، ألوان العراق التي فقدتها في فصل الخريف، معرضه الأخير عبارة عن مجموعة إختيارات، تطبيقات مختلفة ، إنشغالات، من الزيت، التصوير، الطين، العمل الأبرز هو العمل البنائي التركيبي الذي تمثل بجدارية كبيرة بعنوان "بعد الحرب" بالتالي إتسم المعرض بكثافة المواد وإختلافها ، تنوعها وتميز بوحدة تناغمية مبتكرة.مع تنوع المادة المقدمة و ترابطها من اللوحة إلى السيراميك، بإتجاه العمل ثلاثي الأبعاد، لوحظ رغم التنوع وكثرة التقنيات المستخدمة، لكنها ترتبط بخيط واحد. أكثر ما إشتغل عليه مادة الطين، يعشق الفنان تلك المادة منذ الطفولة مأخوذ بأكواخ الطين، أول مادة إشتغل عليها الطين الذي يذكره بسحنة الأهل والأصدقاء، وقد تطورت علاقة الفنان مع تلك المادة في السنوات الأخيرة.
تركيبات قاسم اللونية تمارس مع المتلقي الشعور بالألم، الأمل وتحكي أسرار الوجود، موضوع الحرب يخترق الجدران، يتراءى له كل يوم في البيت، النافذة، عبر الأبواب، الخواء والشوارع. كأنه جالس في بغداد، لاتستطيع أن تصم إذنيك عن الحرب، مخلفات الحرب والدمار، الطلقات ، الصراع من أجل الحرية و الأمل .
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع