الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 

 

رحلة إلى أرض الوطن

 (1)

تأخذني المسافات البعيدة واللابعيدة إلى المكان واللا مكان الذي منه تكونَت هيئتي وفيه ترعرعت وعشت وتعايشت مع الناس هناك . إنها بيئتي ، مدينتي  ،  لفيف من الناس كُثر كثر من أخوة وأقارب وجيران وأصدقاء وأناس كنتُ قد تعايشت معهم وتشاركت معهم هموم الحياة وقساوتها بحلوها ومرّها،  وأمكنة كنت قد عشت بها ودرست وتدارست على أرصفتها ومدارسها ومقاعدها وأشجارها التي تفيأت تحت ضلالها بأيام الصيف الحارقة أيام تموز وآب اللّهاب كما يقولون  أهلنا هناك ، كل هذه الأفكار تزاحمت برأسي المهموم أصلاً .. إنساً وجناً وأنا ألملم حاجياتي ، عواطفي ، ذكرياتي لأضعها بحقيبة السفر المثقلة بأحزان الغربة وسنين أعمارنا الضائعات التي توحي لنا بالخسارات والانكسارات والإنهزامات على مدار الأعمار التي عشناها ساعة ولادتنا وسط الكثير من عوالم الفقر والعادات والتقاليد البالية التي قيدت وأثقلت مسيرة حياتنا وبلداننا بالكثير من مفردات القهر والتخلف والحروب والدمار .

لا أدري لماذا رجعت إلى كل هذه الأفكار بلحظة إلى عالم الطفولة والتي لم أتذكر منها غير القهر والعوز والخذلان وتعلم الكثير من الممارسات التي تحاول أن ترضخ رؤوسنا للسلطان ولقيم ترجعنا مئات بل آلاف من السنين إلى الوراء ، وأنا أرتب حاجياتي تذكرت أول يوم ذهبت به للمدرسة وأنا فرح بارتدائي حلة جديدة من الملابس المدرسية وحقيبة من البلاستيك تملآها طباعات فرحة مدرسية مزيفة ، جلست بين أقراني وتعلمنا نشيد بلاد العرب أوطاني وعلمتُ أن فلسطين محتلة وطلبوا مني أن أتبرع للشعب الفلسطيني فرجعت للبيت أسأل والدي ووالدتي أن يعطوني بعض النقود  لآتبرع بها للمقاومين وللشعب الفلسطيني  بإسمي عسى أن نساهم بالمعنويات وشد الأزر أو بتحريرها ، وكنت أسمع الصبية يرددون كأحجية  ( فلس وقع بالطين .... شنو هوَّ )  ونقول وكأننا حللنا عقدة الاحتلال ونقول بصوت عالي فلسطين وترانا بعد ذلك عرفنا كيف أنها حقيقة واقعة الاحتلال دام وتوسع إلى أن أصبحت حقيقة واقعة باعونا الكبار والحكام وشردونا الحكام وأفنوا أعمارنا بين المنافي والتشرد  والضياع .

بلحظة صُعقت من هذا الرجوع المفاجئ لعالم الطفولة  وأخذت أفكر بأعداد  كوباً من القهوة وأقنعت نفسي  بالتفاؤل وأخذت أحدث نفسي بضرورة  أن تكون سفرتي مثمرة بعد هذا الكم من السنين من خلال رؤيتي لأهلي وبلدي من جديد وأن أكون قدوة لأخوتي وأقراني وللأجيال التي تتلهف لرؤية الغد المشرق الذي تخطيناه وحفرنا الصخر كي نغرس أساساتنا فيه لنثبت حقوق الطفولة ورسم البسمة على شفاه أطفالنا التي لم تكن رفيقة لنا أيام صبانا ولا نتمتع بها أو نراها إلا من خلال مشاهدة فلم كارتوني قصير لا يتعدي عرضه أكثر من عشرون دقيقة من على شاشة التلفاز المحلي  من بعد قراءة تلاوة آية من القرآن الكريم في السادسة عصراً وبعد ها تبدأ برامج الكبار والتي لا تتكلم إلا عن منجزات القائد وقلب الحقيقة من خسائر وانتكاسات إلى مفاخر وإنتصارات ولا يدخلوا في عقولنا  وكما يسميه الكثير الجهاد بالمنافي والإغتراب وهكذا هُضمت كل حقوق الطفولة وتشوهت من خلال تعلم الكذب والنفاق من خلال نشرة الأخبار وإعلام الساسة والمجتمع المريض الذي يمجد ويأله القادة ورجالات  سواء كانوا رجال  سياسة أم دين ولبساطة عقول الكثير من الناس الذين لا يستطيعوا فتح رموز الحرف والناس الذين تلوكهم طاحونة الفقر والعوز هم من يضعوا كل ثقتهم وميزان حياتهم بأيدي هؤلاء الساسة والمعمين ليكن مطمئنين بدنياهم وآخرتهم  وذلك من خلال حكمة يسيرون عليها ( خليها برقبة السيد أو الناس على دين ملوكهم ) ، أمسكت كوب القهوة وارتشفت القليل بعد ما برد وأصبح علقماً وقررت أن أنتفض لأتمم ترتيب حاجياتي وأهيئ نفسي لهذه المغامرة رحلة إلى الوطن أو إلى بيت الأهل عساني أجد ضالتي وتهدأ الروح بعد هذا الترحال الطويل والنفس التي تذهب إلى بارئها كل يوم تناشده الراحة والسكينة ، عساني أجد السكينة  ولكن هل من المعقول أن أجد السكينة في بلد مثل العراق هذا البلد الذي أثقلته الحروب وهشمته الفتنة وأكلت من أثدائه  ثلة من أبنائه العاقين وبالتعاون مع أعرابه الجيران والمتخاذلين وهل من المعقول أن تغمض عين وأنت ترى الدمار في بلد العلماء والسفراء والشعراء والتاريخ ، أجهزت على الرمق الأخير من قهوتي وقررت أن أخوض المغامرة وأشد الرحال .

محمود جاسم النجار

لاهـــــــــاي