رحلة التيه
بقلم : أنتصار الغريب
قصة قصيرة
كما قال عبدالله البردوني
في قصيدته الشهيرة رحلة التيه
هدّني السجن و أدمى القيد ساقي فتعاييت بجرحي ووثاقي و أضعت الخطو في شوك الدجى و العمى و القيد و الجرح رفاقي و مللت الجرح حتّى … ملّني جرحي الدامي و مكثي وانطلاقي و تلاشيت فلم يبق سوى ذكريات الدمع في وهم المآقي
***
في سبيل الفجر ما لاقيت في رحلة التيه و ما سوف ألاقي سوف يفنى كلّ قيد و قوى كلّ سفاح ، و عطر الجرح باقي سوف تهدي نار جرحي إخوتي و أعير الأنجم الوسنى إحتراقي فلنا شعب فمن ينكرني و هو في دمعي و سهدي و إشتياقي ؟ أنا ألقاه شجونا و منى فألاقيه هنا قبل التلاقي.
أصوات إنفجارات، قنابل و قصف مدفعي تسمع بين الحين والآخر هنا وهناك.
زحفت فادية بخوف في زاوية ما بغرفة المعيشة حيث جلست العائلة بأكملها صامتة، قرب المدفأة تحسب الثواني والدقائق كأنها ساعات طويلة لن تنقضي.
منذ بدأت الحرب المدمرة لم تتمكن فادية من النوم، تبدو مرتعدة حتى الموت.
قالت فادية: من أين يجيء الهدوء وراحة البال وقد داهمتنا جيوش الغرباء.
كانت الطرق مغلقة تماما، منذ إندلاع الحرب المجنونة من البصرة إلى كركوك، يأتي الليل ليجلب معه مزيدا من الوحشة والخوف من المجهول.
كانت تنظر نحوهم بإستغراب واضح.
بوجه تتسم معالمه بالتوتر كان أبيها يقلب موجات الراديو بعصبية واضحة قائلا:ليلة البارحة ألقيت مئات الأطنان من القنابل على مدينة بغداد، حل دمار شديد، يبدو بأننا على موعد جديد مع هولاكو من نوع آخر. هولاكو من نوع سام.
لم تفقه شيئا من الهمس الخفي الذي كان يدور بين والديها.
كل ماسمعته: الهروب.. الطريق؟ الحل الوحيد المتبقي أمامنا، كما أخبرتك الهروب .
رددت أمها: لكن ماذا سيقول عنا الناس والمقربين.
إحساس داخلي يمزقها من الداخل كلما رأت سيجارة أبيها يزداد كثافة في الغرفة الكبيرة ليتكتل على هيئة خيوط متشابكة .
إستيقظت في الصباح، أشياء ما بداخلها ما زالت تؤلمها، كانت مهمومة للغاية.
كانت أمها كالعادة مشغولة بإعداد خبر التنور الحار، بعد أن تعذر شراؤه من أفران السوق التي توقفت هي الأخرى بعد قصف إمدادات الكهرباء.
هل يعني هذا مزيدا من القصف العشوائي على المدن؟ سأل أبي وأنا خائفة حتى الموت.
أومأ برأسه صامتا، مستسلما لقدره.
يبدو بأن المكان لم يعد آمنا في البصرة، إننا بالقرب من الحدود العراقية الكويتية،
الجنود يتدفقون على المدينة من جميع الجنسيات، كان ضجيج المدرعات والحشود يصم الآذان، أرتال عسكرية تتزايد بين الحين والآخر، الفوضى تتجسد بكل معانيها.
إنها طبول الحرب تقرع من جديد، أنا خائف من القادم من كل شيء، تنهد أبي بصعوبة.
ثم بدأت أمي تبكي وتردد: لا أستطيع مغادرة منزلي إلا جثة هامدة، لا تقولوا بأن الحرب لن تنتهي.
أرجوكم إلتزموا الهدوء، ودعونا نفكر بروية ،قال أبي واثقا.
سوف نجد طريقا للهروب.سنقوم برحلة طويلة بحثا عن أرض آمنة، لم يعد لنا مكان في تلك الأرض التي تحولت إلى مسرح للدسائس والمؤامرات الدولية.
بحثت بعصبية واضحة عما أستطيع حمله، من أشيائي الخاصة ، بينما إنشغلت أمي بإعداد الطعام. ، لن نحمل الكثير من الحقائب.
لقد فهمت من أبي بأنه سيتم قصف بغداد بمزيد من القنابل، لقد دمر جزء كبير من المدينة ليلة البارحة.
نظرت فادية بغضب وحنقة نحو أبيها.
هل يعني هذا الأمر بأننا سنرغم على الهروب من هنا يا أبي؟ سألته وهي خائفة.
أومأ برأسه آسفا.
يبدو بأن طبول الحرب لن تتوقف، أنا خائف يا إبنتي من كل شيء ربما يتفرق شملنا ذات يوم ويذهب كلا إلى مكان ما في هذا العالم الفسيح.
بدأت فادية تجهش بالبكاء، خوفا من مصير مجهول، إنتهت الحرب العراقية الإيرانية و إعتقدنا بأنها آخر الحروب، لكن كان في جعبة الحاوي المزيد.
قال جواد لزوجته: يجب أن نسرع بالهروب من هنا قبل حلول الليل.
سنقوم برحلة طويلة نحو الشمال ، إلى بلاد آمنة لا تعرف الحرب ولا الحرب تعرفها .
مازلت أتذكر بأن أمي كانت تجمع الحقائب وهي مكرهة لأنها ستفارق ديارها التي ولدت وعاشت فيها منذ طفولتها.
أيضا الكلب لاسي، تيمنا بفيلم الأطفال الشهير، سنتركه يلاقي مصيره، ربما عواءه يخبر الجيران عن رحيلنا، قال أبي: لانريد أن يعرف أحد بأننا سنهرب، سيبقى الأمر طي الكتمان هذا أفضل للجميع في مثل تلك الأجواء المحمومة، لذلك لن نحمل حقائب كثيرة، فنحن نجهل ما ينتظرنا .
إرتديت ملابسي سريعا مجبرة على ترك غرفتي الصغيرة الأثيرة على قلبي بكل ما تحمله من نفائس الكتب، أيضا إلبومات الطوابع والعملات القديمة.
وضعت أمي بعض الطعام في حقيبة صغيرة ثم إتجهنا نحو السيارة بهدوء تام أيضا شقيقي سالم، وداعا أيها المنزل الوارف الذي عشت فيه أجمل سنوات عمري والكلب الذي يحرسنا لا أعلم ماذا سيحدث له من بعدي، ربما سيظل يعوي حتى يقضي نحبه.
ناولت أمي الحقيبة لسالم.
ثم همست في أذن الكلب وداعا ربما فهم بأنني لن أراه مرة أخرى.
هذه المرة لن يرافقني كلبي العزيز لقد شاء القدر أن نفترق.
فادية، فادية، صاحت أمي بصوت عال والدموع تترقرق من عينيها. هيا بسرعة يجب أن نرحل من هنا قبل حلول الليل. أغلقت الباب الخارجي خلفها بشدة والألم يعتصرها،
انطلقت بهم السيارة مسرعة، ما زالت تتذكر جيدا بأنها جلست للخلف مع شقيقها وكأنها لن ترى منزل العائلة مرة أخرى
عشرات الجنود متفرقين في جميع الطرقات متوجهين إلى جبهات القتال، محملين بالعتاد يصرخون ويتقافزون نحو الشاحنات العسكرية التي كانت تعج بالعشرات منهم،
كان الجميع يحاول الهروب، رغم ضيق الحال وقلة المال،
أسرع، أسرع ياجواد قالت أمي وهي ترتجف من البرد وأسنانها تصكك، فأغلق الباب بإحكام، وكتب على بخار زجاج النافذة وداعا، تخيل بأنه يكتب الكلمات الأخيرة، من سيأتي بعدهم إلى هذا البيت الأسطوري،.
لم أرى أبي مرعوبا من قبل وهو الذي يتسم بالصلادة وقساوة القلب وقوة الإرادة.
أنظري يا أمي صحت بأعلى صوتي، مباني مدمرة زجاج متطاير هنا وهناك و تملأ شوارع مدينة البصرة، بيوت فارغة هجرها أهلها أو ربما قضوا نحبهم،لاأعلم ياإبنتي، قالت أمي بصوت خافت يشوبه الحزن.
بينما إنشغل أبي بقيادة السيارة بسرعة حتى غادرنا البصرة إلى غير رجعة على، طغت مشاهد الحرب على عقلها، ربما بسبب النظر للأفق محاولين إختراق المجهول الآتي، وقد يكون ذلك بسسب رؤية الدمار مثل كل إنسان على أرض العراق، لكن من المؤكد بأن حدة عينيها كانت قادرة على رؤية كل شيء، على حافة الطريق المؤدي للشمال كان الجنود يملأون الطرقات من جميع الزوايا، كانت السيارة واقفة عند الجسر، دورية من رجال الأمن تابعة للنظام، مر أمامهم وظل ينظر إليهم وهو مذهول، ثم قال: هل بحوزتكم هويات شخصية؟
فتح أبي بعصبية واضحة درج صغير داخل السيارة، أخرج منها الأوراق الثبوتية، ثم ناولها لرجل الأمن. أخذ يقلب الأوراق بسرعة
سألنا عن وجهتنا، سرعان ما أخبره أبي بأننا متوجهين إلى بعقوبة لزيارة بعض الأقارب للإحتماء من القصف العشوائي، أقاربنا لحين إنتهاء القصف العشوائي على البصرة.
في النهاية أعاد رجل الأمن الأوراق لأبي، كلما أنظر إليه أشعر أن ملامحه تتغير وتتبدل أما أنا فقد فقدت الإحساس بالوجود.
شعرت بأن قلبي ينتزع من صدري ويدق بنبضات متسارعة .
بينما بدأت أمي تبكي بصمت، كانت الدموع تسيل من عينيها لتتساقط على خديها الذابلتين، خائفة من شرارة الغضب التي أخذت تنطلق من وجه رجل الأمن، شعرت بخشونة صوته، لا ندري متى ستنتهي عملية التفتيش.ثم وضعت ذراعيها حول كتفها محاولة تهدئتها.
هدوء يا أمي ، أرجوك لاتبكي ، لقد خسرنا كل شيء لكن لم نفقد الحياة.
إحتار رجل الأمن في أمرنا ثم قال بعصبية واضحة: حسنا للأمام، أخيرا تنفسنا الصعداء، بعد عملية تفتيش شاقة دامت لأكثر من ساعتين.
حاولت الصراخ، لكن أمي لكزتني بيدها، كانت أقدامنا تتحرك بصعوبة جمة، الزحام على الحدود شديدا، وجوه شاحبة، تترقب النهاية، لم يكن صوت العربات العسكرية هو الوحيد الذي يشق الطرقات الجبلية الوعرة، فجأة إستيقظت مذعورة على إنفجار عنيف قادم من بعيد.
بعد مرور ساعات كنا خارج مدينة بغداد، من مسافة بعيدة بدأت تلوح لنا جبال الشمال، كلما تقدمت بنا السيارة لمحنا المزيد من الجبال، ثم بدأت سرعة السيارة تتحرك ببطء شديد، كانت الطرقات تعج بالحفر والأخاديد ، أعتقد بأننا وصلنا إلى مدينة زاخو الحدودية.
في تلك الجبال الشاهقة البعيدة بدأت أصوات الإنفجارات تتلاشى تدريجيا، قال أبي: يجب أن نغادر السيبارة ونمشى على أقدامنا كانت أمي سعيدة لأنها ستغادر السيارة أخيرا، لقد سئمت الجلوس ساعات طوال على الأقل هنا لاتوجد إنفجارات، فقط لغة الطبيعة، يجب عليهم المضي قدما .
أسرعوا، قبل حلول الليل ليس لدينا مزيد من الوقت نضيعه .
مشي أبي مع دليل كردي أعطاه أبي بعض الدولارات ، تقودنا غريزة الخوف، والجوع فتناولت قطعة من التمر، ثم شربت كوب ماء، بدونا كأشباح تتراقص بصعوبة.
كانت الحمير فقط بإنتظارنا وزمهرير الشتاء، لقد أدركت بأن الرحلة أمامنا طويلة وشاقة، تركنا منزلنا وذكرياتنا خلفنا، مصممين على البقاء والصمود.
أمسكت بيد أمي بشدة، ثم مشيت خلف أبي وشقيقي سالم.
لا أستطيع تحمل المشي ساعات طويلة . كانت أمي تبدو متعبة لحد الموت، بعد مرور ثلاث ساعات وسط الجبال الوعرة توقف أبي ، أخرجت أمي بعض الطعام من حقيبة صوفية كانت تحملها خلف ظهرها، وبعض قطع الخبز، تناول شقيقي طعامة بشراهة شديده كأنه نسي بأن أمامنا الكثير، الرحلة تستغرق وقتا طويلا.
حسنا ، إستعدوا سوف نمضي في طريقنا، أشار أبي علينا. وأكملنا مشوارنا سيرا على الأقدام وتحسسنا بطوننا، ماذا سنأكل غدا أو بعد غد.
يجب أن نواصل المشي حتى النهاية. لم آخذ قسطا كافيا من الراحة.
بعد مرور لحظات سريعة كانت العائلة بأكملها تمشي بصعوبة خلف الدليل ، قدماي متورمتان،مشينا حتى حلول الظلام.
قلت لأبي: أين سننام الآن، لاأري بشرا في تلك الجبال العاتية!
ظللنا نبحث عن كوخ نحتمي فيه من برد الشتاء، وقضاء بضع ساعات حتى سدول الليل. كان الدليل أحمر العينين، تململ ثم إستدار نحونا، لكنه واصل المشي دون أن ينظر إلينا مرة أخرى، رويدا رويدا بدأ راسي يثقل وجفناي ترتخيان، ثم إنكفأت على رأسي،
للأمام رأينا مغارة صغيرة. هنا على الأقل سنجلس آمنين ، بعيدين كل البعد عن مياه الأمطار وصقيع الشتاء.
يجب أن تناموا هنا، قال الدليل بكلما كردية يفقها أبي فقط .
أومأ أبي برأسه.
ثم وضعت أمي بطانية خفيفة على الأرض. بدلا من الجلوس على الصخور الحادة
حاولوا أن تناموا قدر الإمكان. ما زلت أتذكر بأنني لففت نفسي بالبطانية ونمت قرب أمي بينما إستلقى أبي للأمام، حاولت النوم لكنه فارقني، لقد كانت الأرض صخرية ومن الصعوبة بمكان تناول قسط من الراحة، لم تغلق لأمي جفن، ثم سقط الجميع في بحر النوم لا ندري مايدور حولنا .
في اليوم التالي واصلنا الرحلة للأمام، أكثر عمقا وسط الجبال لكننا كنا نتقدم ببطء شديد، لا ندري ما هو عد الأيام التي إنقضت، فوق الجبال مازالت الثلوج تهطل ورياح باردة تهب عرضيا عبر ملابسنا، عند الظهيرة وصلنا متعبين إلى القمة، ونسينا التعب، بينما بسطت ذراعي في الهواء وتناسيت البؤس والشقاء المحيط حولي.
شعرت بأنني صغيرة جدا في هذا المكان الشاسع، بعد مرور يومين وصلنا للحدود نتضور جوعا وتعبا.
قال الدليل: مازالت أمامنا مسافة قليلة ونصل الحدود التركية.
إنظروا إلى تلك الخيام يجب أن نصل هناك،أشار ابي إلى أحد الخيام المقامة بالعراء لللاجئين
يوجد في وسط المعسكر ميدان فسيح حيث يتم توزيع الطعام على اللاجئين الهاربين من جحيم الحرب.
لدى وصولنا تم إستقبالنا من قبل مسؤول المعسكر، قضينا هناك ثلاثة اشهر،أصيب الكثير بالمرض والإعياء، القليل من المياه والطعام تأتي العربات مرة واحدة في الأسبوع محملة بالأغذية. لم يكن العيش في المعسكر يروق لي إطلاقا.متضايقة من كل شيء والمصير المجهول، الشيء الوحيد الآمن بأنه لاتوجد حرب هنا ونستطيع الهروب بحرية إلى مكان آخر، حتى قال أبي وهو فرحا:لقد حصلت على أوراق السفر إنتهى كل شيء صاح من مسافة بعيدة.
نستطيع غدا الإنطلاق إلى وجهتنا لم يكن يصدق الأمر، بينما ترقرقت عيون أمي بالدموع، بكيت أنا بحرقة على فراق الأحبة، بعد أسبوع لاحق غادرنا على متن طائرة مضت بنا إلى بلد آخر مجهول، ونحن نلوج تحت وطأة الإنتظار، هذه الحياة عبارة عن نكتة كبيرة، مهما طالت بنا الأيام أم قصرت، سوف تمضي بنا شئنا أم أبينا.
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع
