ورقة أمل
قصة قصيرة .. بقلم : رشا الصيدلي
وضعت رأسها بين أحضانه وغصة بكاء تملأ كيانها ..كانا معا على سرير جمعهما منذ عام ..تحت سقف شهدت أجمل اللحظات ..ابتدأ من ليلة زفافهما حتى جاء وقت تلبية نداء الوطن ..إنها الحرب التي أُعلنت، تحمل منجلها وتقطف رؤؤس البشر، لتمتزج الدماء بالمياه وتضيع هبة الحياة .
كانت الحجرة بضوء خافت في ليلة اختبأ القمر، خلف غيوم تنذر بقدوم الخريف ..هل كان يخشى الظهور للعلن !..أم هناك سرا لم يشأ أن يطلع أحد عليه !
-" حبيبتي ..دعيني أنظر إلى عينيكِ " ..قالها بصوت هامس حنون .
رفعت رأسها بهدوء مبتعدة عن جلده الدافئ لتتشابك نظراتهما، وفي عينيها دموع ساخنة على وشك الفرار .
-" لا ترحل "..أجابته برجاء يحمل حزنا ، خالته يشمل أحزان البشرية جمعاء .
لاحت على تقاسيم وجهه المليحة ابتسامة خفيفة ، مجيبا
-" لا أستطيع التخلف عن الواجب ".
-" من أجل طفلك الذي في أحشائي ..لا ترحل " ..كان شيء في داخلها ينبئها ، أنه إذا رحل ، فلا عودة له .
-" لا أستطيع ".
-"أليس ولدك غال عليك ! " ..سألته بصوت حزين مستنكر .
-" إنه كذلك ..لكن الوطن أغلى ..إن سُرق الوطن ...سُرق ولدي " .
عادت تدس رأسها بين أحضانه قائلة " سأسكب الدموع ..وأكتوي بنار الفراق حتى تعود "
كانت هذه ليلتهما الأخيرة قبل التأهب للسفر ، الذي ربما ستبات ذكرى على مدى أعوام ..أو إلى أبد الدهر ؟؟
لم تشعر وهو ينهض فجرا، يعد نفسه للرحيل ،لكنها مع إشراقة أول خيط للشمس فتحت عينيها ، لتجده بكامل حلته ..بزيه العسكري وتلك النجوم على كتفيه ، كأنه رجل لامس الفضاء واستمد من لا حدوده العطاء، وتقلد بسيف يجاور النجوم ، ليظهر عن شهامة أبت أن تكون إلا للشجعان ..
حاولت أن تنهض بخفة ، لكن ما تحمله في أحشائها أثقل عليها انسيابها .
وضعت على كتفيها رداء حريريا ثم أسرعت إلى أحضانه ..همس في أذنيها " علي الذهاب ..سوف أتأخر "
رافقته إلى باب الدار التي تظللها شجرة الكمثرى بأوراقها الخضراء .
-" أوصيك بنفسكِ وبولدي ".
-" سأفعل ..لكنه مسكين لن يراني أبتسم حتى تعود "
-" لا تفعلي هذا ..فما دام الأمل موجودا عليك الابتسام " .
-" أريد أملا ملموسا .أريد أن تكون بقربي ".
نظر إلى أعلى الشجرة قائلا " انظري ..الأمل سيتجدد مع كل ورقة تسقط ".
-" لم أفهمك ! " .
أشار إلى أعلى الشجرة موضحا " سيأتي الخريف وتجف تلك الأوراق وتسقط ..فإن سقطت الورقة الأخيرة منها ، اعلمي أن في الصباح الباكر سأكون بجوارك "
-" وإن سقطت ولم تكن بقربي ؟" ..سألته بصوت يائس ..
-" لن يحدث هذا ...بعون الله " ...أجابها وهو يفتح ذراعيه ليضمها بين أحضانه من جديد ..تلمس بيديه بطنها وكأنه رغب في لمس ولده .
كانت دموعها ساخنة بسخونة لوعة الفراق ..ومرة بمرارة الزهر ..ودعته على أمل اللقاء ...
غابت الشمس ..وجاء خريف الفراق ..ثم شتاء الانتظار.. ومع كل صباح تنظر من خلف الشباك ، أوراق الشجرة الباسقة بفروعها المتشابكة ..كانت تراقبها عن كثب ، كما تراقب الساعات عقاربها ،خوفا من الخطأ أو التكرار .
كانت مبتهجة مع سقوط كل ورقة ..ولم تكف عن الابتسام وهي تطالع نفسها عبر المرآة لتشهد كبر بطنها أو عندما تنظف عتبة الدار مما تخلفه الريح .
وذات صباح بارد ، شهدت سقوط جميع أوراق الشجرة إلا واحدة ..كانت جافة ، لكنها ثابتة ..أبت أن لا تنحني للريح ،وكأنها تحاول أن تثبت أنها الأقوى ..هذا ما فكرت فيه ، وازداد أملها حتى إنها شبهت تلك الورقة بزوجها الغائب ..لابد أنه يقهر النار ويقف أمام أعاصير الأعداء بثبات .
باتت ليلتها واثقة ، مفعمة بالابتهاج ...استمرت تراقب تلك الورقة مع الأيام كما تراقب الشمس دوران الأرض حولها لتهنئها بذهاب الشتاء وحلول الربيع وانطلاق أول صرخة للطفلِ في أرجاء الدار .
لم تفقد الأمل ..وهي ترى تلك الورقة ..القديمة ..الجافة .المتشبثة بشكل عجيب ! ..رغم ارتداء الشجرة ثوبا جديدا .
وذات صباح وصل خبر إن زوجها بات مصيره مجهولا ..الجميع خمن أنه استشهد إلا هي ..كانت واثقة أنه على قيد الحياة ..
مضت الفصول، كما مضت الأعوام، وانتهت الحرب، وشب الطفل، وأصبح صبيا في السابعة، ولم يصل خبر جديد عن والده المفقود.، وكلما سأل والدته " متى يعود أبي ؟"
كانت تبتسم مجيبة " عندما تسقط تلك الورقة "
وذات صباح استيقظت على صوت ابنها يناديها ..نهضت وقلبها يكاد يقفز من مكانه ،وكأنها تخمن أن هناك أمرا جديدا ..لابد أن زوجها قد عاد ..لكنها عندما خرجت وجدت ولدها يقف على غصن الشجرة يسألها أن تساعده في النزول ..وما إن فعلت ، حتى سقطت عيناها على إحدى كفيه. كان قد أغلقها بإحكام ..شعرت بالدماء تغلي في عروقها وهي تسأله " ماذا في كفك ؟"
-" إنها الورقة ..لقد أسقطتها من مكانها كي يعود أبي " ..أجابها ببراءة، وعيناه اغرورقت بدموع شقت على وجهه الملائكي سبيلا لها .
شعرت بحيرة ..ماذا تفعل ؟ ..هل تؤنبه على فعلته ..لأنه ارتكب جرما بحق الأمل الذي أشعرته إياها تلك الورقة ..أم تضمه إلى صدرها ،لأنه بشوق لرؤية والده كما هي بشوق له .
تناولت الورقة من يديه لتقع في صدمة ،شلت جسدها وتجمدت عيناه ...
كانت الورقة بلاستيكية وأثر الغراء عليها ! .
تمت
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع
