وما كل السكوت ..ذهب!
بقلم : ذكرى محمد نادر
تبتكر الأصابع معنى العبارة حينما يعز الكلام؟ هل خطر في بال احدنا ماذا لو كنت أبكما؟ ماذا لو خلقت بغير صوت إلا صوت أصابعي؟ ماذا تعني نعمة أن تنطق؟ أن تسمع صوت الحياة؟ أن تفقه ما يقال؟ وأن تقول ما تشعر به؟
لأصل الأسئلة حكاية.. ماذا لو نشرع بها من مطلع القول.
المكان: بغداد
المشهد:مجموعة من الرجال الصم والبكم
الزمان:على تمام توقف الكلام
براءة الاختراع: مقهى فريد, رواده ,ممن عز عليهم ان يفوهوا
الموضوع: نزهة السكوت
ففي لب عاصمة الرشيد حيث للموت صوت هوية يومية, وللحديث أضغاث كلام وعلامات استفهام, هناك من تلمس لنفسه ملجأ ومكان , رجال ابتكروا مساحة تضم صمتهم
في مقهى فريد بنوعية زواره, مقهى يضم بين جنباته لفيف من الصم والبكم , من رجال وشباب ما جربوا متعة الكلام, ولا سمعوا أصواتهم قط.
ابتكار أنشأه صاحب المقهى الأبكم أصلا بسبب وحدته ,أو ,لرغبته بالتقاء من هم على شاكلته .صف كراسيه وأعد أباريق الشاي, وحضر اكوابه, وأراكيله وتبغه , وللمفارقة وضع تلفازا , لا يعرف إن كان له صوت أو,أنه يعرض صوره بخرس , فرواد المقهى جميعهم صم وبكم , ولا تسمع منهم سوى الهمهمات ودمدمة الاصابع , وتعابير وجوه مهما حاولت , لا يفارقها وجع إنها لا تسمع ما يقال, ولا تفوه بما يجيش بالأرواح الحبيسة داخل بقعة صمت , ابدي.
في مقهى الصمت المحاط بضجيج الحياة البغدادية, تمكث عشرات القصص والحيوات, تنساب كل مغيب تحت ذاك السقف الذي يضم المتشابهون بالمعاناة والتجربة, حيث يشعرون أن لهم من يفهم ما يعانوه, ويشعر بما يشعرون , وينطق مثلهم بأصابعه عما يجيش في البال , , فهم يحييون بصمت, يعشقون بصمت, يحزنون بصمت, يألمون بصمت, يحلمون بصمت, يلقون نكاتهم على بعضهم بصمت ويضحكون بنفس الصمت, ثم ينسلون أخر الليل كما جاؤوه عند المغيب, بصمت .
يحدثونك عن كل شيء باصابع الحكي..
خالد, العاشق يروي قصة غرامه, بخشوع لا مثيل له على رؤوس أنامله مشكلاً حروف كلماته , وبأصابعه فقط يرسم وجه أمنية اكبر من كل أحلامه, لحظة, تتمثل بقول كلمة : أحبك .
فهل يحق له ان يقول: انه عاشق بانخراس الكلام؟ يشرح بيديه : أخاف أنها لن تسمع صوت أصابعي, وهي تناديها!
هل ستستجيب لو أنها عرفت؟ ذاك ما لا ندريه, فالحبيبة الحلم ما زالت لا تحزر غرامه, وهو لا يتجاسر على بوح ما فيه.
يشرح بأصابعه حروف اسمها ولا احد قادر على حل لغزه, عيناه وحدهما تنطقان بالخشية من ضياع حلمه ان هو صرح بالهوى , وبالخشية من أن الصمت المطبق سيجفف قصته لتذهب ,كخجل ديمة, بأمسية صيف ساخن. ثم هل ستجازف عائلة بالموافقة على تزويج ابنتها من معاق بالكلام؟ذلك اكبر أسئلته مرارة.
لكنهم في "مقهى الخرسان", يدفئون حكايات أصابعهم بدردشة الحكي, ودردشة الاحلام , ويجبرون خواطرهم بمواساة أن للصمت نعمة كبيرة, فهم لا يعيشون خضم ما يحيطهم من موت ولا يسمعون صوت الانفجارات, ولا هدير الاباتشي وهي تجوب الفضاء البغدادي, ويرسمون بأيدهم شكل الخوف من البنادق الاوتوماتيكة مع أشارة تدلل على الراحة بانهم , غير مضطرين لسماع زئير الاطلاقات النارية عند مرور المواكب الرسمية او عند الاغتيالات العلنية على قوارع الطريق, يُقبل أكبرهم كفه وجها لقفا شارحا علامة الرضا , لانهم معفيون من ضريبة الإصغاء لصوت الموت اليومي..او ضجيج ورق الانتخابات, وزيف المرشحين.
هناك ستسمع همهمة متحسرة, من الإهمال والنسيان والتجاهل, من عسف الحياة, والمجتمع , من صعوبة العيش وانعدام فرص العمل واستغلال أربابه ,ونسيان الحكومات على تناوبها لهم , فإذا كان الساسة وأعضاء الحكومات لا يحفلون بمن يحسنون القول, هل سيحفلون بمن لا صوت يسمع لهم!في مقهى الخرسان البغدادي ستتعرف الكثير من الحكايات , ولكن دونما صوت,حيوات لاناس يلتمون حينا في مجتمع يعنيهم وحدهم اخترعته حاجتهم إليه وابتكروا فيه ما اتاح لهم من لجوء.
زمنهم صامت عن كل شيء.. إلا عن الألم, فهو وحده هو الناطق الرسمي لهم! هناك ستعرف انه: ليس كل السكوت ..ذهب!
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع