الأنسـان بفنـه وأبداعــه غايتنا المثلى

 


 


 

أجمل قبيحات العالم!

 

   بقلم : ذكرى محمد نادر

   هي ، الأقدم بين المدن..

 

أحتار في أسمائها المؤرخين العرب, سميت دار الدنيا بكل محاسنها, ولقبت بجنة الارض, معبر العرب, مدينة العلم, نزهة الامصار, مرفأ الحكمة.

بعضهم نَسبها للبابليين  بقولهم" بعل جاد" وتعني معسكر بعل, فمنها كان يجيء مدد الرجال , وسيبقى حتى الابد بعون الله.

وقيل أن أسمها كلداني " بل داد" ويعني أله الفتك ,وعلى ذمة التاريخ , أنه جاء تسمية بعد معركة أبلى فيه الملك "بخت نصر"في ملحمة عظيمة أباد فيها الغزاة فأخذت المدينة أسمها   تيمنا بالواقعة .

وذهب المؤرخون الى أنها حملت أسمها من الملك العظيم حمورابي الذي دانت له سائر الربوع والأمصار, وأستتب العدل والغنى في عهده, فسماها"بكداد" وتعني بيت الغنم لغناها وكثرة مراعيها الخضر.

بعضهم أدعى عليها زورا, بأنها تسمية فارسية  وقال" باغ  داد" وتعني بستان داد, وهي أكذوبة فندها المؤرخ القديم أحمد اليعقوبي حين كتب بصفائحه العتيقة: كانت بغداد قبل حكم الأكاسرة حاضرة تغوي التجار والرحالة والمغامرين.. فأرادوا سرقة أسمها وإلصاق مجدها لهم!

بينما يروي ياقوت الحموي بطرافة, عن تجار حرير من الصين كانوا يفدون اليها بحريرهم زمن ملك أسمه" باغ"فأضيف اليها "داد"  وهي كلمة عراقية يحلو لسان أهلها الدارج تسمية الاخ بها , فليس أحب للاخت من قول" داد" تدللا لاخيها ,من هنا صار رُبط أسمها باغ داد ومنه أشتق حسب الحموي, مفهوم" المتبغدد" الذي ساد وذهب مثلا للمترف المتدلل, لان لبس أهل بغداد الحرير في سالف عصرهم وأوانهم!

لكنما, أتفق الاثاريون  على أنها مدينة قديمة قِدم البشرية يعود أسمها الى عهد فجر السلالات, وقد كشفت التنقيبات والحفريات الاثرية عن لُقى تحمل أسمها تعود بعراقيتها الى عهد البابليين كما جاء في بحث الاثاري الغربي"جاك ريسلر"الذي أفاد أنها من أقدم حضارات المدن البشرية طراً,وجاء رأيه مطابقا لما ذهب اليه الاثاري السير رولنسون عام 1848 عندما وجد, بعد إنحسار الماء عن ضفة دجلة منحوتات أجرية قديمة مختومة بأسم الملك نبوخذ نصر الذي ذاع صيته وشاع ذكره بين الدول كفارس للعدل والمطاع  أمره, وجدها مختومة على شوارع مدينته القديمة فقد كان

آجرها مختوما بأسمه وجميع القابه وأسم المدينة" بجداد", ثم ورد أسمها أيضا عن زمن حمورابي واضحا وتليدا ومختوما بعام 728 قبل الميلاد "بغدادو".

 وكتب المؤرخ الدكتور أحمد صالح العلي عن أعادة نشأتها عربيا قائلا: أختار أبو جعفر المنصور بنفسه رقعة على الجانب الغربي من نهر دجلة عند مصب نهر الرُفيل , فيها  ضِيع خضر ومراع كثيرة وسواق متفرقة , وديرٌ للنصارى, وجسر على نهر دجلة لعبور الضفتين للسابلة والدواب,  وقال: هنا المستقر لتكن مدينة السلام. فكانت .

ذاع صيتها ومجدها بين البلدان فأغوت الرحالة, والمغامرين  والتجار, فأليها يحجون بطريق الحرير القديم,ألهبت مخيلة الشعراء فقيل فيها القصيد الجميل , وكانت محجة العلماء ومقصد الباحثين عن الجاه والثروة, وقيل عنها المدورة والزوراء لازورار النهر فيها أي التفافه,  توارثت كنياتها,قلعة الاسود , ومدينة المنصور وعاصمة الرشيد الذي شاء بثقة أن يطلق للغمام العنان قائلا: فأنى ذهبت, فخراجك عائد اليّ.

منذ فجر الخليقة ربما كانت ولعلها ستكون حتى منتهىاه,وقع عليها الاختيار  اليوم من قبل منظمة" ميرسر العالمية" لتتربع على عرش, أقبح مدينة بالعالم , وأسوأ مكان للسكن فيه, واكثر بقع الارض أضطرابا وأفتقارا للامن , وصنفتها  على أنها لا تصلح للعيش فيها  وجاءت بتسلسل أكثر المدن عنفا وعدم صلاحية للحياة المعاصرة برداءة وسائل النقل فيها وأرتفاع نسبة التلوث , وتراجع المستوى التعليمي والخدمي, وافتقارها للماء الصالح للشرب.

أهذه البلاد بلادنا.. وبغدادنا ؟

فيها كنا نستمع الأغنيات تتغني بها : وعلى شواطي دجلة مر.. يا منيتي وقت الفجر.. بغداد ُ والشعراء والصور و ذهب الزمان وضوعه العطرُ.

 الان تسبقها بفارق يسجل لصاحبة المركز الثاني مدينة لم يسمع عنها أحد يقال أنها عاصمة دولة أفريقيا الوسطى تسمى بانغوي!

بغدادي ما سقطت , لكنهم سقطوا , وما صارت  قبيحة الا حينما جاءها الغزاة وكل ذليل خلفهم, أجمل القبيحات باقية لتقاومهم لتسترد بأظافرها وجهها الحلو القديم..لانها تحت قدم المحتل تخبيّ نورها, فلا تهبُ بهجة جمالها لمحتل واثم!.

 

 

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع