أسـفار
بقلم : زاهرة محمد
1
مهما كبر هذا العالم، ومهما قضيت عمرك في الترحُلِ، فإنك لو فقدت القدرة على السفر في داخلك يوماً، فإنك أشبه بمن لم يبحر ولم يعرف السفر أبداً .
2
هذا العالم الكبير من حولي، لم يعد يعني لي شيئاً . لم يعد سوى مترين من الأرض، وسماء واسعة، وعادات، وتقاليد، ولغات، ووجوه تتشابه كثيراً . لقد بدأت أخشى هذا التشابه، أخشاه لأني لا أريد أن أصبح صحناً من تلك الصحون الخزفية، ولا أن أكون لفافة تبغ في منفضة .
3
المسافات غدت لا تحمل طابع المسافة، فقد تحوّلت إلى جثثٍ ممددة على طول الطريق!
فبعضها يسمى وطناً، والآخر غربة، والبعض منها أمكنة . غير أنها أولاً وأخيراً، ليست سوى عاصفة من اللهاث يجتازها آلاف الرُحل يومياً، ويدورون حول أنفسهم مثلما يدور الثور حول الساقية، ولا أعرف مَنْ منهما بالضبط يلحق بالآخر، في محرقة الدوران العبثية هذه؟
4
ها هي سلالة الزيف والدجل، تطوف حولي مثل آبار ناشفة أو أسماك نافقة، وأنا لا أنظر إليها، لا أتصدق عليها بنظرة ولا بكلمة حتّى، ولكني كثيراً ما أمسح غبارها المسموم عن حذائي .
5
المزيفون أولئك، الحربائيون أولئك! إنهم يصيبونني بالغثيان، ويُنَفرونني منهم ومن معادنهم الفارغة . لأنه لا هَم لهم، سوى أن ينفخوا أمام العالم في صورهم الكاذبة، صورهم التي تتحوّل سريعاً إلى رماد يسقط ويتناثر أمامي . إن ظلاماً دامساً يغطيهم حتّى أعناقهم، لدرجة أنهم لا يرون أنفسهم، وليس بهم نتفة ضوء واحدة .
6
لهذا، لم ولن يكون لهم من وجود في حياتي، والباب الذي خرجوا منه، قد أقفلته نهائياً ورميت مفتاحه في البحيرة العتيقة .
7
أما رفاق الروح، رفاق المحبة والشطح الغامر، فسفرهم لا يشبه تلك الأسفار الزائفة، التي لا توصلنا إلى شيء، ولا تفضي بنا إلى معنى جديد .
إن رفاق الروح، هم رفاقي، الذين تمضي أسفارهم بين مجرات النفس والعقل والأحشاء والحس والوجود، حيث العالم ينام ويصحو في داخلهم، ويطلع مضيئاً في كل مرة .
8
رفاق الروح، هم أنهار عذبة . شموس صادقة وساطعة . أنفاس عطرة وزاهية كحدائق الربيع . عيونهم صافية وباسمة، والحياة تصرخ في داخلهم: هنا أنا أعيش وأولد في وطني الأجمل، وطني الذي يفهم معنى وجودي كحياة بهية ومكتملة!
الآراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن مؤسسة أوطان الثقافية او عن رأي المحرر ، وحق الرد مكفول للجميع
